-
الأحد، 9 يناير 2011
الخميس، 23 ديسمبر 2010
غزوة الأحزاب
غزوة الأحزاب
مازن التويجري
ملخص الخطبة
1- اليهود يستنفرون قريشاً ويستعدونها على المسلمين. 2- خروج أحزاب مختلفة من العرب لقتال المسلمين. 3- فكرة حفر الخندق وشروع الصحابة في تنفيذها. 4- ذكر بعض ما جرى أثناء حفر الخندق. 5- مناوشات حول الخندق. 6- غدر يهود بني قريظة. 7- نعيم بن مسعود يوقع بين الأحزاب. 8- الريح تهزم قريش وحزبها.
الخطبة الأولى
وهدأت الأوضاع بعد غزوة أحد، ولكن ثمة عصبة من شرذمة يهود، غاضهم هذا السلام وتورمت قلوبهم خنقًا وغيضًا بعد أن أجلاهم رسول الله إلى خيبر، لتبدأ مسيرة الظلام والصدّ عن سبيل الله، فخرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وساداتهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على قتال محمد وأن لهم النصر والتأييد، فأجابتهم قريش، ثم خرج هؤلاء اليهود حتى أتوا غطفان ودعوهم إلى ما دعوا إليه قريش فأجابوهم، وهكذا خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، وخرجت من الشرق قبائل غطفان، واتجهت هذه الأحزاب نحو المدينة، وبعد أيام تجمع جيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مقاتل، ربما زاد عدده على أهل المدينة كلهم بشبابهم وشيوخهم، ونسائهم وصبيانهم.
وبلغ النبي تحرك الأحزاب، فاستشار أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنًا علينا. فاستحسن رسول الله الرأي، وكان أمرًا لم تعرفه العرب من قبل.
وكانت المدينة تحيط بها الحرات ـ وهي الحجارة السود ـ من الشرق والغرب والجنوب، فأمر أن يحفر الخندق من جهة الشمال وكان طوله نحو ميل، ووكل إلى كل عشرة أن يحفروا أربعين ذراعًا، أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
((اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة))
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا[1]
وعند البخاري كذلك عن البراء بن عازب قال: رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول:
((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينـة علينــا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الآلي قد بغـوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا))
ثم يمد بها صوته بآخرها[2].
وقد أصاب الناس من الجوع والبر ما أصابهم، قال أبو طلحة كما عند الترمذي: شكونا إلى رسول الله الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله عن حجرين[3].
وقد لاحت في حفر الخندق أعلام للنبوة كثيرة منها ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله أنه لما رأى ما في النبي من التعب والجوع، ذبح بهيمة وطحنت امرأته صاعًا من شعير ثم التمس من رسول الله سرًا أن يأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي بأهل الخندق وهم ألف فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت برمة اللحم تغط به كما هي، وبقي العجين يخبز كما هو، وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغذى أبوه وخاله، فمرت برسول الله فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه يسقط من أطراف الثوب.
وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: ((أنا نازل))، ثم قام وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم[4]ـ أي صار رملاً لا يتماسك.
وروى أحمد عن البراء قال: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ، فجاء وأخذ المعول فقال: ((بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال: الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني)) [5].
وأقبلت قريش في أربعة آلاف فنزلت بمجتمع الأسيال، وغطفان ومن معهم في ستة آلاف حتى نزلوا إلى جانب جبل أحد، وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف من الصحابة فتحصنوا بالخندق بينهم وبين المشركين، وكان شعارهم "حم لا ينصرون" ولما هم المشركون بمهاجمة المسلمين فوجئوا بالخندق أمامهم فقال أبو سفيان: هذه مكيدة ما عرفتها العرب، وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابًا يبحثون فيه عن منفذ يقتحموا فيه نحو المسلمين، وكره فوارس قريش أن يقفوا موقف المتفرج، فخرجت منهم جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب فاقتحم عمرو عن فرس فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا، حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون والرعب يملأ قلوبهم، والوهن يفت عزيمتهم.
وحاول المشركون اقتحام الخندق أو بناء طريق فيه، فلم يمهلهم المسلمون بل كافحوا مكافحة شديدة ورشقوهم بالنبل، ففي الصحيحين عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي : ((والله ما صليتها)) فنزلنا مع النبي بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب"[6] وفي هذا يتبين شدة الموقف وحراجته، وطول الحصار الذي دام قرابة الشهر فقال النبي : ((ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) [7].
الله أكبر... يتحسر على فوات وقتها، وهم معذورون يجالدون العدو، ويذودون عن حياض الدين، فعجبًا لمن يقرع النداء مسامعه في كل حين، فيبقى حبيس الكسل والغفلة، معرضًا عن نداء ربه، منشغلاً بملذات الدنيا وشهواتها.
وبقي الخندق حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر، بل اقتصروا على المراماة بالنبل وقد قتل من جراء ذلك ستة من المسلمين وعشرة من المشركين وفي هذه المراماة رُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بينا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم، حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة).
في هذه الأثناء انطلق كبير مجرمي يهود بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة، فأتى كعب بن أسد القرظي سيدهم، وكان قد عاقد رسول الله على أن ينصره إذا أصابته حرب، فضرب حيي عليه الباب، فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتحه فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من ردمه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً فلم يزل به حتى أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين.
وهكذا فعل جد اليهود الأول حربًا لله ولرسوله، والذي لابد أن يعلم ويربى عليه أبناء الأمة الواحدة درسًا من واقع الحياة وأحداث السيرة أن الكلاب لا تلد إلا الكلاب، وأبناء الأفاعي كأمهاتهم لا تجيد إلا لغة المراوغة والخداع ونفث السم في صف الأمة الوسط.
ألا فليعلم جهال المتعلمين من بني قومنا أن الكفر ملة واحدة لا فرق فيه بين يهودي ونصراني أو وثني.
وبدأت يهود بني قريظة بعمليات الحرب، مر رجل منهم فجعل يطوف بالحصن الذي فيه النساء والذراري، فرأته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله فشدت على وسطها ثم أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وبهذا ظن اليهود أن للمسلمين ظهرًا فلم يقربوهم، وهنا دب الرعب في قلوب بعض المؤمنين حين علموا بنقض بني قريظة العهد فأمامهم جيش عرمرم لا يستطيعون الانصراف عنه، وبنو قريظة خلفهم لا يؤمن من هجومهم على نسائهم وذراريهم حتى قال المنافقون: كان محمدًا يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط وقال بعضهم: إن بيوتنا عورة من العدو، فاذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة، وهمت بنو سلمة بالفشل، وكان حالهم كما حكى الله عن موسى وقومه حين أدركهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا والبحر من أمامهم قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 61 ـ 62].
[1] رواه البخاري ح (2834)، ونحوه في مسلم ح (1805).
[2] رواه البخاري ح (4106)، ومسلم ح (1803).
[3] رواه الترمذي ح (2371).
[4] رواه البخاري ح (4101).
[5] رواه أحمد ح (18219).
[6] رواه البخاري ح (596) ومسلم ح (631).
[7] رواه البخاري ح (6396)، ومسلم (627).
الخطبة الثانية
وأما رسول الله فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة ثم نهض وهو يقول: ((الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين)) [1]، أي بفتح الله ونصره، وأرسل إلى المدينة من يحرسها، ثم أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفوا فاستشار السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعًا فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، وصّوب رأيهما وقال: إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.
في هذه الأثناء يسر الله أمرًا وهيأه، أن أسلم نعيم بن مسعود رضي الله عنه فجاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت فقال رسول الله : ((إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة)) [2] فذهب إلى بني قريظة وكان عشيرًا لهم في الجاهلية فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت, قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهروكم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم. قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم، قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان فقال: مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس للهجرة بعثوا إلى اليهود: أنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فرد اليهود أن اليوم يوم سبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فقالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم. فأبى المشركون فقالت يهود: صدقكم والله نعيم فتخاذل الفريقان، وخارت عزائمهم.
وكان المسلمون يدعون: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وكان النبي يدعو: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)) [3].
وسمع الله دعاء نبيه والمسلمون وأرسل الله عليهم الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب، فرحلوا لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال. ثم توجه إلى قريظة فقتل رجالهم وسبى نساءهم بحكم سعد بن معاذ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًاإذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناهنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًاوإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًاوإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًاولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرًاولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولاًقل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلاًقل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا[الأحزاب:9ـ17]. إلى أن قال سبحانه: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا [الأحزاب: 25].
[1] رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام (3/222).
[2] رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام (3/228).
[3] رواه البخاري ح (2933)
غزوة الأحزاب
مازن التويجري
ملخص الخطبة
1- اليهود يستنفرون قريشاً ويستعدونها على المسلمين. 2- خروج أحزاب مختلفة من العرب لقتال المسلمين. 3- فكرة حفر الخندق وشروع الصحابة في تنفيذها. 4- ذكر بعض ما جرى أثناء حفر الخندق. 5- مناوشات حول الخندق. 6- غدر يهود بني قريظة. 7- نعيم بن مسعود يوقع بين الأحزاب. 8- الريح تهزم قريش وحزبها.
الخطبة الأولى
وهدأت الأوضاع بعد غزوة أحد، ولكن ثمة عصبة من شرذمة يهود، غاضهم هذا السلام وتورمت قلوبهم خنقًا وغيضًا بعد أن أجلاهم رسول الله إلى خيبر، لتبدأ مسيرة الظلام والصدّ عن سبيل الله، فخرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وساداتهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على قتال محمد وأن لهم النصر والتأييد، فأجابتهم قريش، ثم خرج هؤلاء اليهود حتى أتوا غطفان ودعوهم إلى ما دعوا إليه قريش فأجابوهم، وهكذا خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، وخرجت من الشرق قبائل غطفان، واتجهت هذه الأحزاب نحو المدينة، وبعد أيام تجمع جيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مقاتل، ربما زاد عدده على أهل المدينة كلهم بشبابهم وشيوخهم، ونسائهم وصبيانهم.
وبلغ النبي تحرك الأحزاب، فاستشار أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنًا علينا. فاستحسن رسول الله الرأي، وكان أمرًا لم تعرفه العرب من قبل.
وكانت المدينة تحيط بها الحرات ـ وهي الحجارة السود ـ من الشرق والغرب والجنوب، فأمر أن يحفر الخندق من جهة الشمال وكان طوله نحو ميل، ووكل إلى كل عشرة أن يحفروا أربعين ذراعًا، أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
((اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة))
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا[1]
وعند البخاري كذلك عن البراء بن عازب قال: رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول:
((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينـة علينــا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الآلي قد بغـوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا))
ثم يمد بها صوته بآخرها[2].
وقد أصاب الناس من الجوع والبر ما أصابهم، قال أبو طلحة كما عند الترمذي: شكونا إلى رسول الله الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله عن حجرين[3].
وقد لاحت في حفر الخندق أعلام للنبوة كثيرة منها ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله أنه لما رأى ما في النبي من التعب والجوع، ذبح بهيمة وطحنت امرأته صاعًا من شعير ثم التمس من رسول الله سرًا أن يأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي بأهل الخندق وهم ألف فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت برمة اللحم تغط به كما هي، وبقي العجين يخبز كما هو، وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغذى أبوه وخاله، فمرت برسول الله فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه يسقط من أطراف الثوب.
وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: ((أنا نازل))، ثم قام وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم[4]ـ أي صار رملاً لا يتماسك.
وروى أحمد عن البراء قال: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ، فجاء وأخذ المعول فقال: ((بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال: الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني)) [5].
وأقبلت قريش في أربعة آلاف فنزلت بمجتمع الأسيال، وغطفان ومن معهم في ستة آلاف حتى نزلوا إلى جانب جبل أحد، وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف من الصحابة فتحصنوا بالخندق بينهم وبين المشركين، وكان شعارهم "حم لا ينصرون" ولما هم المشركون بمهاجمة المسلمين فوجئوا بالخندق أمامهم فقال أبو سفيان: هذه مكيدة ما عرفتها العرب، وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابًا يبحثون فيه عن منفذ يقتحموا فيه نحو المسلمين، وكره فوارس قريش أن يقفوا موقف المتفرج، فخرجت منهم جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب فاقتحم عمرو عن فرس فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا، حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون والرعب يملأ قلوبهم، والوهن يفت عزيمتهم.
وحاول المشركون اقتحام الخندق أو بناء طريق فيه، فلم يمهلهم المسلمون بل كافحوا مكافحة شديدة ورشقوهم بالنبل، ففي الصحيحين عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي : ((والله ما صليتها)) فنزلنا مع النبي بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب"[6] وفي هذا يتبين شدة الموقف وحراجته، وطول الحصار الذي دام قرابة الشهر فقال النبي : ((ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) [7].
الله أكبر... يتحسر على فوات وقتها، وهم معذورون يجالدون العدو، ويذودون عن حياض الدين، فعجبًا لمن يقرع النداء مسامعه في كل حين، فيبقى حبيس الكسل والغفلة، معرضًا عن نداء ربه، منشغلاً بملذات الدنيا وشهواتها.
وبقي الخندق حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر، بل اقتصروا على المراماة بالنبل وقد قتل من جراء ذلك ستة من المسلمين وعشرة من المشركين وفي هذه المراماة رُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بينا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم، حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة).
في هذه الأثناء انطلق كبير مجرمي يهود بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة، فأتى كعب بن أسد القرظي سيدهم، وكان قد عاقد رسول الله على أن ينصره إذا أصابته حرب، فضرب حيي عليه الباب، فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتحه فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من ردمه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً فلم يزل به حتى أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين.
وهكذا فعل جد اليهود الأول حربًا لله ولرسوله، والذي لابد أن يعلم ويربى عليه أبناء الأمة الواحدة درسًا من واقع الحياة وأحداث السيرة أن الكلاب لا تلد إلا الكلاب، وأبناء الأفاعي كأمهاتهم لا تجيد إلا لغة المراوغة والخداع ونفث السم في صف الأمة الوسط.
ألا فليعلم جهال المتعلمين من بني قومنا أن الكفر ملة واحدة لا فرق فيه بين يهودي ونصراني أو وثني.
وبدأت يهود بني قريظة بعمليات الحرب، مر رجل منهم فجعل يطوف بالحصن الذي فيه النساء والذراري، فرأته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله فشدت على وسطها ثم أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وبهذا ظن اليهود أن للمسلمين ظهرًا فلم يقربوهم، وهنا دب الرعب في قلوب بعض المؤمنين حين علموا بنقض بني قريظة العهد فأمامهم جيش عرمرم لا يستطيعون الانصراف عنه، وبنو قريظة خلفهم لا يؤمن من هجومهم على نسائهم وذراريهم حتى قال المنافقون: كان محمدًا يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط وقال بعضهم: إن بيوتنا عورة من العدو، فاذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة، وهمت بنو سلمة بالفشل، وكان حالهم كما حكى الله عن موسى وقومه حين أدركهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا والبحر من أمامهم قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 61 ـ 62].
[1] رواه البخاري ح (2834)، ونحوه في مسلم ح (1805).
[2] رواه البخاري ح (4106)، ومسلم ح (1803).
[3] رواه الترمذي ح (2371).
[4] رواه البخاري ح (4101).
[5] رواه أحمد ح (18219).
[6] رواه البخاري ح (596) ومسلم ح (631).
[7] رواه البخاري ح (6396)، ومسلم (627).
الخطبة الثانية
وأما رسول الله فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة ثم نهض وهو يقول: ((الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين)) [1]، أي بفتح الله ونصره، وأرسل إلى المدينة من يحرسها، ثم أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفوا فاستشار السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعًا فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، وصّوب رأيهما وقال: إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.
في هذه الأثناء يسر الله أمرًا وهيأه، أن أسلم نعيم بن مسعود رضي الله عنه فجاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت فقال رسول الله : ((إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة)) [2] فذهب إلى بني قريظة وكان عشيرًا لهم في الجاهلية فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت, قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهروكم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم. قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم، قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان فقال: مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس للهجرة بعثوا إلى اليهود: أنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فرد اليهود أن اليوم يوم سبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فقالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم. فأبى المشركون فقالت يهود: صدقكم والله نعيم فتخاذل الفريقان، وخارت عزائمهم.
وكان المسلمون يدعون: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وكان النبي يدعو: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)) [3].
وسمع الله دعاء نبيه والمسلمون وأرسل الله عليهم الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب، فرحلوا لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال. ثم توجه إلى قريظة فقتل رجالهم وسبى نساءهم بحكم سعد بن معاذ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًاإذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناهنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًاوإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًاوإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًاولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرًاولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولاًقل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلاًقل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا[الأحزاب:9ـ17]. إلى أن قال سبحانه: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا [الأحزاب: 25].
[1] رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام (3/222).
[2] رواه ابن إسحاق في سيرته، سيرة ابن هشام (3/228).
[3] رواه البخاري ح (2933)
غزوة الأحزاب
الأحد، 5 ديسمبر 2010
الخميس، 2 ديسمبر 2010
أصغر رسالة في نقض المسيحية
أصغر رسالة في نقض المسيحية
أصغر رسالة في نقض المسيحية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فهذه نبذة مختصرة جداً (1) أردت أن أبين من خلالها أصل النصرانية وواقعها ، كتبتها ابتداءً للإنسان النصراني ؛ ليقف بنفسه على أصل عقيدته ، ويعرف كيف تحولت وتبدلت وأصبحت ديانة وضعية بشرية بعد أن كانت رسالة إلهية ، والتَزَمْتُ في هذه النبذة أن أورد الأدلة التي اعتمدت عليها في بيان الحق - من التوراة والإنجيل- ؛ حتى يعلم أنني أردت دلالته إلى الحق ، وإرشاده إلى الصواب فأقول مستعيناً بالله :-
أصل النصرانية رسالة إلهية كغيرها من الرسالات الإلهية كرسالة نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ، وجميع الرسالات الإلهية تتفق في العقائد الأساسية للدين كالإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، والإيمان بالملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، والإيمان بالرسل والأنبياء ، ولم يرد في التأريخ كله من لدن آدم عليه السلام إلى آخر الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم أن رسالة إلهية وردت تخالف هذه العقائد ، وإنما كان الخلاف فيما بينها يتعلق بأنواع العبادات وهيئاتها ، وأصناف المحرمات والمباحات وأسبابها وغير ذلك مما يشرعه الله لأنبيائه ويأمرهم ببيانه للناس الذين أرسل إليهم هذا الرسول أوذاك.
إذاً فالنصرانية رسالة إلهية تدعو إلى الإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، وتؤكد بأن لله رسلاً وأنبياء اصطفاهم واختارهم من بين سائر البشر لتبيلغ رسالته للناس لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل .
والسؤال الذي يفرض نفسه هو : هل بقيت النصرانية على هيئتها التي أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى عليه السلام أم لا ؟
وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستعرض وإياك واقع النصرانية اليوم ونعرضه على ما نقل في التوراة والإنجيل عن موسى وعيسى عليهما السلام لننظر أيتفق الواقع مع أصل الرسالة أم يختلف ؟ وهل النصوص المنقولة عن هذين الرسولين تؤيد العقائدَ القائمة في حياة الأمة النصرانية ؟ وهل ما نقل في هذه الكتب عن حياة المسيح عليه السلام يتفق مع الصورة التي ترسمها الكنائس لشخصية المسيح ...حتى أصبحت شخصية أسطورية يستحيل تصديقها في الأذهان أو تحققها في الوجود . وأول هذه العقائد هي :
1- اعتقاد النصارى أن المسيح (( ابن الله )) .
هذا الاعتقاد ليس له ما يؤيده من كلام المسيح عليه السلام ؛ بل نجد أن التوراة والإنجيل مليئة بما يعارض هذا الاعتقاد ويناقضه حيث جاء في إنجيل يوحنا19 : 6
قوله : (فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين : اصلبه ، اصلبه قال لهم بيلاطس : خذوه أنتم واصلبوه ؛ لأني لست أجد فيه علة . أجابه اليهود : لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت ؛ لأنه جعل نفسه ابن الله ) ولقد صدّر متى إنجيله 1 : 1 بذكر نسب المسيح عليه السلام فقال : (كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم). فهذا النسب دليل على البشرية ، مناقض لما دُعي فيه من الألوهية .
وكأني بك تقول : لقد أُطْلِقَ على المسيح وصف ((ابن الله)) ولذلك دُعي ابن الله فأقول : إن هذه الصفة وردت في كتابك وقد أطلقت على أنبياء آخرين ووصفت بها أمماً وشعوباً ، ولم يختص بها المسيح عليه السلام ولتتأكد من ذلك انظر مثلاً : (خروج 4: 22 ، مزمور 2 : 7 ، وأخبار الأيام الأول 22 : 10.9 ، متى 5 : 9 ، ولوقا 3 : 38، ويوحنا 1: 12 وهؤلاء الموصوفون بأنهم أنبياء الله لم يرفعوا إلى المنزلة التي رفعتم إليها المسيح عليه السلام .
كما أن إنجيل يوحنا : 1 : 12 حمل إلينا تفسير أو وصف مصطلح ((ابن الله)) وأنها بمعنى المؤمن بالله حيث قال : (وأما الوصف الذي قَبِلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باْسمه ).
2- اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام إله مع الله ، بل هو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عندهم .
عندما نتصفح العهد الجديد لننظر الأساس الذي بُني عليه هذا الاعتقاد لا نجد للمسيح عليه السلام أي قول يسنده ويدعو إليه ؛ بل نفاجأ بأن العهد الجديد يضم بين طياته نصوصاً ترفض هذا الاعتقاد وتعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا إله إلا الله ، وأن المسيح عبد الله ورسوله أرسله إلى بني إسرائيل مصدقاً بالتوراة والإنجيل ، وإليك بعض هذه النصوص التي تؤيد ما قلت فمنها :-
أ - قال المسيح عليه السلام في إنجيل برنابا 94 : 1 (إني أشهد أمام السماء ، وأُشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ؛ لأني بشر مولود من امرأة وعرضة لحكم الله ، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ).
ب - شهد لوقا وكليوباس ببشرية المسيح حيث قالا : (ولم تعرف ما جرى في هذه الأيام من أمر المسيح الذي كان رجلاً مصدقاً من الله في مقاله وأفعاله) لوقا 24 : 19 ، وانظر لوقا 7 : 17 ، وأعمال الرسل 2 : 22 .
ج - قول المسيح عليه السلام : (وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع الذي أرسلته) يوحنا 17 : 3 .
فأنت ترى أن المسيح عليه السلام في النص الأول شهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أنه بريء من كل من وصف يرفعه فوق منزلته البشرية ؛ وما ذاك إلا لأنه بشر .
وفي النص الثاني شهد اثنان من معاصريه أنه رجل مصدق من الله في قوله وفعله .
وفي النص الثالث أطلقها شهادة مدوية بأن الحقيقة الكبرى في هذا الكون التي تمنح صاحبها السعادة الأبدية هي معرفة أن الله هو الإله الحقيقي وكل ما سواه فهو زائف باطل ، وأن يسوعَ المسيح رسولُ الله .
3-اعتقاد أن اللاهوت حلّ في الناسوت .
وعندما نستعرض تعاليم المسيح عليه السلام نجد أنه لم يشر إلى هذه المسألة إطلاقاً ؛ بل على العكس من ذلك يقوم بتعليم عقيدة التوحيد الخالص من كل شوائب الشرك ، ولعل أظهر دليل على ذلك قول المسيح عليه السلام : ( اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد ) مرقس : 12 : 29 .
ولعلك تستعرض الأدلة التي وردت في الفقرة الثانية مضيفاً إليها هذا الدليل لتنظر هل هذه الأدلة المنقولة من كتابك المقدس تؤيد هذه العقيدة ؟ أم تصادمها وترفضها ؟
4- اعتقاد أن الله يتكون من ثلاثة أقانيم وهو ما يعرف بـ ((عقيدة الثليث )) .
هذا الاعتقاد انفردت به الديانة النصرانية من بين سائر الديانات الإلهية ، فهل يؤيده الكتاب المقدس أم يعارضه ؟ إن المتأمل المنصف لما نقل عن المسيح عليه السلام سيجد أنه جعل أساس رسالته الدعوة إلى التوحيد ، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه ، وتجريد مقام الألوهية عن كل ما سوى الله ، وتحقيق مقام العبودية لله وحده ...
فارجع البصر إلى الأدلة التي أوردتها لك في الفقرة الثانية والثالثة تجد ما ذكرته لا لبس فيه ولا غموض ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن النصرانية المحرفة تدّعي أن لله ثلاثة أقانيم متساوية :
فالآب هو الإله الأول ، والابن هو الإله الثاني ، والروح القدس هو الإله الثالث .
وليس هذا صحيحاً ؛ لأنهم يعتقدون أن الروح القدس قد انبثق عن الآب والابن ، ولا يمكن أن تتساوى هذه الأقانيم في الأزلية والثالث قد انبثق عن الاثنين قبله ، كما أن لكل واحد منها صفات تخصه لا يمكن أن يوصف بها الآخر ، ثم إن الآب دائماً في المرتبة الأولى ، والابن يأتي بعده ، والروح القدس في الدرجة الثالثة ، فلا ترضون أبداً أن يعاد ترتيب هذا الثالوث فيكون الروح في المقدمة والابن في المرتبة الثانية بل تعتبرون ذلك كفراً وإلحاداً فكيف التسوية إذاً ؟
ومن جهة ثانية فإن وصف الروح وحده بالقدس دليل على عدم المساواة .
5-اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام صلبته اليهود بأمر بيلاطس البنطي وتوفي على الصليب .
وتكفل الكتاب المقدس بتفنيد هذا الاعتقاد ؛ ففي كتابك أن المصلوب ملعون ، كما ورد ذلك في سفر التثنية : 22 : 23 : (وإذا كان على إنسان خطيّة حقها الموت فقُتل وعلقته على خشبة . فلا تثبت جثته على الخشبة بل تدفنه في ذلك اليوم ، لأن المعلق ملعون من الله فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك ) فتأمل كيف يكون إلهكم ملعوناً بنص كتابكم ؟
كما أن في إنجيل لوقا 4: 29-30 أن الله عصم المسيح عليه السلام وحفظه من كيد اليهود ومكرهم فلم يستطيعوا أن يصلبوه : (فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه أسفل . أما هو فجاز في وسطهم ومضى) وقال يوحنا : 8 : 59 : (فرفعوا حجارة ليرجموه . أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا ). وقال يوحنا 10 : 93 : (فطلبوا أيضاً أن يمسكوه فخرج من أيديهم ). هذه النصوص -وسواها كثير -تؤكد أن الله عصم المسيح عليه السلام من كيد اليهود ومكرهم .
بل عن هناك نصوصاً تثبت أن اليهود لم يكونوا متحققين من شخصية المسيح حتى استأجروا من يدلهم عليه ، وأعطوه لذلك أجراً (انظر متى 27 : 3-4). كما أخبر المسيح عليه السلام أن كل الجموع ستشك في خبره تلك الليلة التي وقعت فيها الحادثة فقال : (كلكم تشكّون فيّ هذه الليلة ) مرقس 14 : 27 .
إذاً فماذا كانت نهاية المسيح على الأرض ؟ لقد رفعه الله إليه ، وهذا خبره في كتابك : (إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء ) أعمال الرسل 1 : 11 . و : (مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيادِيهم يحملونك ) متى 4 : 6 ، ولوقا 4 : 10-11 .
أرأيت كيف حمل كتابك الحقائق التالية :-
1-أن من عُلق على خشبة الصلب فهو ملعون.
2-أن الله عصم المسيح وحفظه من الصلب.
3-أخبر المسيح أن الجموع ستكون في شك من أمره في تلك الليلة.
4-أن الله رفعه إلى السماء.
والآن أطرح إليك هذا السؤال : ما السبب في كون هذا الصليب مقدساً في النصرانية ؟
في حين أنه كان هو السبب في إصابة المسيح عليه السلام- كما تعتقدون- بالأذى ؟ أليس هو تذكار الجريمة ؟ أليس هو شعار الجريمة وأداتها ؟ . ثم ألم تر أن حادثة الصلب المتعلقة بالمسيح عليه السلام كلها تفتقد إلى الأساس التأريخي والديني الذي تستند إليه ، فلماذا تشغل كل هذا الحيز ولماذا تأخذ كل هذا الاهتمام في عقيدتك ؟
وإن كنت ولا تزال على قناعتك بهذه العقيدة فأجب وبصدق عن هذه التساؤلات
التالية :-
من كان يمسك السماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطاً على خشبة . . . الصليب ؟
وكيف يتصور بقاء الوجود ثلاثة أيام بغير إله يدبر أمره ويحفظ استقراره ؟
ومن كان يدبر هذه الأفلاك ويسخرها كيف يشاء ؟
ومن الذي كان يحي ويميت ويعز من يشاء ويذل من يشاء ؟
ومن الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام ؟
وكيف كان حال الوجود برمته وربه في قبره ؟
ومن الذي أماته ، ومن الذي منّ عليه بالحياة ؟
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
6-اعتقاد النصارى أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة للخطيئة الموروثة.
هذه العقيدة رغم مخالفتها للعقل والمنطق فهي مخالفة لقواعد أساسية ونصوص رئيسة اشتمل عليها كتابك ، فمن هذه القواعد :-
1-لا يقتل الآباء عوضاً عن الأبناء.
2-أن كل واحد يموت بذنبه.
3-أن النفس التي تخطيء هي تموت .
4-أن الله يقبل توبة التائبين.
أما النصوص التي حملت هذه القواعد فمنها :-
(لا يقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل ) تثنية 24 : 16 .
(في تلك الأيام لا يقولون بعدُ الآباء أكلوا حصرماً وأسنان الأبناء ضرست ؛ بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ) ارمياء 31 : 29- 3.
(وأنتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب . أما الابن فقد فعل حقاً وعدلاً حفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة ً يحيا . النفس التي تخطيء هي تموت . الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن . برّ البارّ عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون ... فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها وحفظ كل فرائضي وفعل حقاً وعدلاً فحياةً يحيا. لا يموت ، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه في بره) حزقيال 18 : 19-22 .
7-فريضة العشاء الرباني .
حينما يورد كل من متى ومرقس قصة العشاء الرباني لم يشفعا ذلك بأمر المسيح عليه السلام بجعل هذا العمل عبادة مستمرة وطقساً دائماً ، وارجع إلى ذكر هذه القصة في هذين الإنجيلين تجد الأمر كما قلت .
لكن بولس لما أراد أن تأخذ هذه العبادة طابع الاستمرار أضاف إلى تلك القصة الجملة التالية ((اصنعوا هذا لذكري)) الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 11 : 24 .
هذا أصل النصرانية وهذا واقعها ، وهذا الواقع - كما رأيت لا يمت إلى المسيح عليه السلام بصِلَة ، ولا تربطه به إلا رابطة الانتساب الاسمي الذي يفتقد أدنى مقوماته الدينية والتأريخية ...
بل إن كتاب النصرانية المقدس يحمل نصوصاً تُعزى إلى المسيح عليه السلام تعارض وترفض هذه العقائد الأساسية والركائز الهامة التي تقوم عليها الديانة النصرانية...
والإنسان العاقل يأنف من الزيف ، وينفر من الخطأ . وحري بك أن تكون واحداً من أولئك القوم العقلاء الذين هجروا هذا الواقع المرير ، وركبوا كل صعب وذلول بحثاً عن الحق ، وطلباً للدليل ، ورغبة في الوصول إلى الحقيقة .
فأقول : لن أتجاوز كتابك ففيه ما يدلك على الحق ويرشدك إلى الصواب ، ألست تقول في صلاتك : (ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك) متى 6 : 9-10 . ألى الآن تنتظر قائلاً : ((ليأت ملكوتك)) ألم يأت هذا الملكوت ؟ فإن كان الملكوت قد جاء وتحقق فلماذا لا تزال تدعو بهذا الدعاء ؟
قد جاء هذا الملكوت وتحقق بمجيء رسوله الذي بشّر به المسيح عليه السلام فقال : (البارقليط (2) الذي يرسله أبي في آخر الزمان هو يعلمكم كل شيء ) يوحنا :14 : 26 وقال : (ومتى جاء البارقليط الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ) يوحنا 15 : 26 فمن الذي شهد للمسيح بالرسالة ونزهه عما افتراه اليهود عليه سوى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟
وقال المسيح أيضاً : (إن لي أموراً كثيرة لَأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن . وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني ؛ لأنه لا يأخذ مما لي ويخبركم ) يوحنا 16 : 12-14 . فمحمد صلى الله عليه وسلم هو البارقليط الذي أشار إليه المسيح عليه السلام ، وهو الذي أرشد الخلق إلى الحق ؛ لأنه لا يتكلم من نفسه إذ أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
فهلم هلم اتبع البارقليط الذي أرشدك إليه المسيح عليه السلام ، وهذا البارقليط هو الذي بشر به موسى عليه السلام حين قال كما في سفر التثنية 18: 18 : (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيتكلم بكل ما أوصيه ) وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولم يخرج من بني إسماعيل رسول سوى محمد صلى الله عليه وسلم . وهو الذي أخبرنا موسى عليه السلام أنه يخرج من قمم ((فاران)) حيث قال في سفر التثنية 33 : 2 : (جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير وتلألأ من جبل فاران) وفاران هي مكة المكرمة . وأنشد سكان ((سالع)) أنشودة الفرح بمقدمه إليهم كما قال اشعياء 42: 11 : (لتترنم سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) وسالع جبل في المدينة المنورة التي انطلقت منها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم . وهوت تحت قدميه الأصنام (انظر إشعياء 42 : 17 ) ، وعمت رسالته وجه الأرض ، وسعدت به البشرية ، وآمنت به الآلاف المؤلفة من البشر فكن واحداً من هؤلاء تفز بسعادة الدنيا والآخرة . . .
أما كيف تكون من أتباعه ؟
ليتحقق لك ما تحقق لأصحابه ، فالأمر جد يسير ، فما عليك إلا أن تغتسل وتتطهر وتزيل عن جسدك كل أثر غير حميد ، ثم تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، عالماً بمقتضاهما ، عارفاً بمعناهما ، وهو أن تعتقد أن لا معبود بحق سوى الله ، وأن الله هو المتفرد بالألوهية والربوبية ، وأن محمداً رسول الله فتطيعه بما أمر ، وتصدقه فيما أخبر ، وتبتعد عما نهى عنه وزجر .
وأن تشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، فإذا حققت ذلك أصبحت أهلاً لأن تكون من ورثة جنة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
وإن أردت مزيد مصادر ومراجع ترشدك إلى الحق وتهديك إلى الصراط المستقيم فإليك قائمة ببعض الكتب التي ألفها بعض القساوسة النصارى الذين هداهم الله إلى الإسلام فدوّنوا في هذه الكتب خبر انتقالهم من النصرانية إلى الإسلام ، والأسباب التي أدت بهم إلى هجر النصرانية ، والأدلة التي استدلوا بها على أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة الخالدة وهذه الكتب هي :-
1-الدين والدولة ، تأليف علي بن ربِّن الطبري.
2-النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، تأليف نصر بن يحيى المتطبب.
3-محمد في الكتاب المقدس نُشِر باللغتين العربية والإنجليزية من قبل رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر .
4-الإنجيل والصليب وكلاهما من تأليف دافيد بنجامين كلداني الذي أسلم وتسمى بعبد الأحد داود.
5-محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن .
6-الغفران بين الإسلام والمسيحية وكلاهما من تأليف إبراهيم خليل أحمد كان قساً نصرانياً وكان اسمه قبل إسلامه إبراهيم فيلبس.
7-الله واحد أم ثالوث .
8-المسيح إنسان أم إله وكلاهما من تأليف مجدي مرجان .
9-سر إسلامي من تأليف فؤاد الهاشمي .
10-المنارات الساطعة في ظلمات الدنيا الحالكة من تأليف المهتدي محمد زكي الدين النجار.
هذه الكوكبة المباركة التي آثرت الحق على الباطل ، والهدى على الضلال ، أتراك أعلم بدينك منهم ؟
فَلِمَ لم تسأل نفسك عن الأسباب التي أدّت بهم إلى هجر دينهم وإعلانهم الهجرة إلى الإسلام ؟ وما هي الأدلة والبراهين التي وقفوا عليها فقادتهم إلى الهدى والنور .
وأقول لك ليست هذه الجماعة المباركة هي فقط التي هجرت دينها وأعلنت إسلامها ؛ إنما هؤلاء نزر يسير من علماء النصارى الذين أسلموا ذكرتهم لك للاسترشاد والاستشهاد... وغيرهم كثير فها هي القوافل الإيمانية التي نشهدها كل يوم تشد رحالها وتيمم شطر الإسلام معلنة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
حرر في 27/6/1414هـ
الموافق 10/12/1993م
الهوامش :
(1) رغبة أن تؤدي هذه النبذة الثمار المرجوة منها -أؤمل من كل من أراد ترجمتها إلى أي لغة أن يعتمد نقل نصوص التوراة والإنجيل من الطبعة المتداولة في اللغة التي سيترجم إليها .
(2) البارقليط : كلمة يونانية بمعنى أحمد
كتبها د/ محمد بن عبد الله السحيم صب 6249 الرياض 11442 من نشر دار العاصمة الرياض هاتف 4915154 -4933318 فاكس ... 4915154
عند حصول خطأ في نقل هذه النسخة من الأصل يرجى الاتصال بالناسخ على بريد kateb@ayna.com
أصغر رسالة في نقض المسيحية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فهذه نبذة مختصرة جداً (1) أردت أن أبين من خلالها أصل النصرانية وواقعها ، كتبتها ابتداءً للإنسان النصراني ؛ ليقف بنفسه على أصل عقيدته ، ويعرف كيف تحولت وتبدلت وأصبحت ديانة وضعية بشرية بعد أن كانت رسالة إلهية ، والتَزَمْتُ في هذه النبذة أن أورد الأدلة التي اعتمدت عليها في بيان الحق - من التوراة والإنجيل- ؛ حتى يعلم أنني أردت دلالته إلى الحق ، وإرشاده إلى الصواب فأقول مستعيناً بالله :-
أصل النصرانية رسالة إلهية كغيرها من الرسالات الإلهية كرسالة نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ، وجميع الرسالات الإلهية تتفق في العقائد الأساسية للدين كالإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، والإيمان بالملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، والإيمان بالرسل والأنبياء ، ولم يرد في التأريخ كله من لدن آدم عليه السلام إلى آخر الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم أن رسالة إلهية وردت تخالف هذه العقائد ، وإنما كان الخلاف فيما بينها يتعلق بأنواع العبادات وهيئاتها ، وأصناف المحرمات والمباحات وأسبابها وغير ذلك مما يشرعه الله لأنبيائه ويأمرهم ببيانه للناس الذين أرسل إليهم هذا الرسول أوذاك.
إذاً فالنصرانية رسالة إلهية تدعو إلى الإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، وتؤكد بأن لله رسلاً وأنبياء اصطفاهم واختارهم من بين سائر البشر لتبيلغ رسالته للناس لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل .
والسؤال الذي يفرض نفسه هو : هل بقيت النصرانية على هيئتها التي أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى عليه السلام أم لا ؟
وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستعرض وإياك واقع النصرانية اليوم ونعرضه على ما نقل في التوراة والإنجيل عن موسى وعيسى عليهما السلام لننظر أيتفق الواقع مع أصل الرسالة أم يختلف ؟ وهل النصوص المنقولة عن هذين الرسولين تؤيد العقائدَ القائمة في حياة الأمة النصرانية ؟ وهل ما نقل في هذه الكتب عن حياة المسيح عليه السلام يتفق مع الصورة التي ترسمها الكنائس لشخصية المسيح ...حتى أصبحت شخصية أسطورية يستحيل تصديقها في الأذهان أو تحققها في الوجود . وأول هذه العقائد هي :
1- اعتقاد النصارى أن المسيح (( ابن الله )) .
هذا الاعتقاد ليس له ما يؤيده من كلام المسيح عليه السلام ؛ بل نجد أن التوراة والإنجيل مليئة بما يعارض هذا الاعتقاد ويناقضه حيث جاء في إنجيل يوحنا19 : 6
قوله : (فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين : اصلبه ، اصلبه قال لهم بيلاطس : خذوه أنتم واصلبوه ؛ لأني لست أجد فيه علة . أجابه اليهود : لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت ؛ لأنه جعل نفسه ابن الله ) ولقد صدّر متى إنجيله 1 : 1 بذكر نسب المسيح عليه السلام فقال : (كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم). فهذا النسب دليل على البشرية ، مناقض لما دُعي فيه من الألوهية .
وكأني بك تقول : لقد أُطْلِقَ على المسيح وصف ((ابن الله)) ولذلك دُعي ابن الله فأقول : إن هذه الصفة وردت في كتابك وقد أطلقت على أنبياء آخرين ووصفت بها أمماً وشعوباً ، ولم يختص بها المسيح عليه السلام ولتتأكد من ذلك انظر مثلاً : (خروج 4: 22 ، مزمور 2 : 7 ، وأخبار الأيام الأول 22 : 10.9 ، متى 5 : 9 ، ولوقا 3 : 38، ويوحنا 1: 12 وهؤلاء الموصوفون بأنهم أنبياء الله لم يرفعوا إلى المنزلة التي رفعتم إليها المسيح عليه السلام .
كما أن إنجيل يوحنا : 1 : 12 حمل إلينا تفسير أو وصف مصطلح ((ابن الله)) وأنها بمعنى المؤمن بالله حيث قال : (وأما الوصف الذي قَبِلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باْسمه ).
2- اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام إله مع الله ، بل هو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عندهم .
عندما نتصفح العهد الجديد لننظر الأساس الذي بُني عليه هذا الاعتقاد لا نجد للمسيح عليه السلام أي قول يسنده ويدعو إليه ؛ بل نفاجأ بأن العهد الجديد يضم بين طياته نصوصاً ترفض هذا الاعتقاد وتعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا إله إلا الله ، وأن المسيح عبد الله ورسوله أرسله إلى بني إسرائيل مصدقاً بالتوراة والإنجيل ، وإليك بعض هذه النصوص التي تؤيد ما قلت فمنها :-
أ - قال المسيح عليه السلام في إنجيل برنابا 94 : 1 (إني أشهد أمام السماء ، وأُشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ؛ لأني بشر مولود من امرأة وعرضة لحكم الله ، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ).
ب - شهد لوقا وكليوباس ببشرية المسيح حيث قالا : (ولم تعرف ما جرى في هذه الأيام من أمر المسيح الذي كان رجلاً مصدقاً من الله في مقاله وأفعاله) لوقا 24 : 19 ، وانظر لوقا 7 : 17 ، وأعمال الرسل 2 : 22 .
ج - قول المسيح عليه السلام : (وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع الذي أرسلته) يوحنا 17 : 3 .
فأنت ترى أن المسيح عليه السلام في النص الأول شهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أنه بريء من كل من وصف يرفعه فوق منزلته البشرية ؛ وما ذاك إلا لأنه بشر .
وفي النص الثاني شهد اثنان من معاصريه أنه رجل مصدق من الله في قوله وفعله .
وفي النص الثالث أطلقها شهادة مدوية بأن الحقيقة الكبرى في هذا الكون التي تمنح صاحبها السعادة الأبدية هي معرفة أن الله هو الإله الحقيقي وكل ما سواه فهو زائف باطل ، وأن يسوعَ المسيح رسولُ الله .
3-اعتقاد أن اللاهوت حلّ في الناسوت .
وعندما نستعرض تعاليم المسيح عليه السلام نجد أنه لم يشر إلى هذه المسألة إطلاقاً ؛ بل على العكس من ذلك يقوم بتعليم عقيدة التوحيد الخالص من كل شوائب الشرك ، ولعل أظهر دليل على ذلك قول المسيح عليه السلام : ( اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد ) مرقس : 12 : 29 .
ولعلك تستعرض الأدلة التي وردت في الفقرة الثانية مضيفاً إليها هذا الدليل لتنظر هل هذه الأدلة المنقولة من كتابك المقدس تؤيد هذه العقيدة ؟ أم تصادمها وترفضها ؟
4- اعتقاد أن الله يتكون من ثلاثة أقانيم وهو ما يعرف بـ ((عقيدة الثليث )) .
هذا الاعتقاد انفردت به الديانة النصرانية من بين سائر الديانات الإلهية ، فهل يؤيده الكتاب المقدس أم يعارضه ؟ إن المتأمل المنصف لما نقل عن المسيح عليه السلام سيجد أنه جعل أساس رسالته الدعوة إلى التوحيد ، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه ، وتجريد مقام الألوهية عن كل ما سوى الله ، وتحقيق مقام العبودية لله وحده ...
فارجع البصر إلى الأدلة التي أوردتها لك في الفقرة الثانية والثالثة تجد ما ذكرته لا لبس فيه ولا غموض ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن النصرانية المحرفة تدّعي أن لله ثلاثة أقانيم متساوية :
فالآب هو الإله الأول ، والابن هو الإله الثاني ، والروح القدس هو الإله الثالث .
وليس هذا صحيحاً ؛ لأنهم يعتقدون أن الروح القدس قد انبثق عن الآب والابن ، ولا يمكن أن تتساوى هذه الأقانيم في الأزلية والثالث قد انبثق عن الاثنين قبله ، كما أن لكل واحد منها صفات تخصه لا يمكن أن يوصف بها الآخر ، ثم إن الآب دائماً في المرتبة الأولى ، والابن يأتي بعده ، والروح القدس في الدرجة الثالثة ، فلا ترضون أبداً أن يعاد ترتيب هذا الثالوث فيكون الروح في المقدمة والابن في المرتبة الثانية بل تعتبرون ذلك كفراً وإلحاداً فكيف التسوية إذاً ؟
ومن جهة ثانية فإن وصف الروح وحده بالقدس دليل على عدم المساواة .
5-اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام صلبته اليهود بأمر بيلاطس البنطي وتوفي على الصليب .
وتكفل الكتاب المقدس بتفنيد هذا الاعتقاد ؛ ففي كتابك أن المصلوب ملعون ، كما ورد ذلك في سفر التثنية : 22 : 23 : (وإذا كان على إنسان خطيّة حقها الموت فقُتل وعلقته على خشبة . فلا تثبت جثته على الخشبة بل تدفنه في ذلك اليوم ، لأن المعلق ملعون من الله فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك ) فتأمل كيف يكون إلهكم ملعوناً بنص كتابكم ؟
كما أن في إنجيل لوقا 4: 29-30 أن الله عصم المسيح عليه السلام وحفظه من كيد اليهود ومكرهم فلم يستطيعوا أن يصلبوه : (فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه أسفل . أما هو فجاز في وسطهم ومضى) وقال يوحنا : 8 : 59 : (فرفعوا حجارة ليرجموه . أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا ). وقال يوحنا 10 : 93 : (فطلبوا أيضاً أن يمسكوه فخرج من أيديهم ). هذه النصوص -وسواها كثير -تؤكد أن الله عصم المسيح عليه السلام من كيد اليهود ومكرهم .
بل عن هناك نصوصاً تثبت أن اليهود لم يكونوا متحققين من شخصية المسيح حتى استأجروا من يدلهم عليه ، وأعطوه لذلك أجراً (انظر متى 27 : 3-4). كما أخبر المسيح عليه السلام أن كل الجموع ستشك في خبره تلك الليلة التي وقعت فيها الحادثة فقال : (كلكم تشكّون فيّ هذه الليلة ) مرقس 14 : 27 .
إذاً فماذا كانت نهاية المسيح على الأرض ؟ لقد رفعه الله إليه ، وهذا خبره في كتابك : (إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء ) أعمال الرسل 1 : 11 . و : (مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيادِيهم يحملونك ) متى 4 : 6 ، ولوقا 4 : 10-11 .
أرأيت كيف حمل كتابك الحقائق التالية :-
1-أن من عُلق على خشبة الصلب فهو ملعون.
2-أن الله عصم المسيح وحفظه من الصلب.
3-أخبر المسيح أن الجموع ستكون في شك من أمره في تلك الليلة.
4-أن الله رفعه إلى السماء.
والآن أطرح إليك هذا السؤال : ما السبب في كون هذا الصليب مقدساً في النصرانية ؟
في حين أنه كان هو السبب في إصابة المسيح عليه السلام- كما تعتقدون- بالأذى ؟ أليس هو تذكار الجريمة ؟ أليس هو شعار الجريمة وأداتها ؟ . ثم ألم تر أن حادثة الصلب المتعلقة بالمسيح عليه السلام كلها تفتقد إلى الأساس التأريخي والديني الذي تستند إليه ، فلماذا تشغل كل هذا الحيز ولماذا تأخذ كل هذا الاهتمام في عقيدتك ؟
وإن كنت ولا تزال على قناعتك بهذه العقيدة فأجب وبصدق عن هذه التساؤلات
التالية :-
من كان يمسك السماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطاً على خشبة . . . الصليب ؟
وكيف يتصور بقاء الوجود ثلاثة أيام بغير إله يدبر أمره ويحفظ استقراره ؟
ومن كان يدبر هذه الأفلاك ويسخرها كيف يشاء ؟
ومن الذي كان يحي ويميت ويعز من يشاء ويذل من يشاء ؟
ومن الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام ؟
وكيف كان حال الوجود برمته وربه في قبره ؟
ومن الذي أماته ، ومن الذي منّ عليه بالحياة ؟
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
6-اعتقاد النصارى أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة للخطيئة الموروثة.
هذه العقيدة رغم مخالفتها للعقل والمنطق فهي مخالفة لقواعد أساسية ونصوص رئيسة اشتمل عليها كتابك ، فمن هذه القواعد :-
1-لا يقتل الآباء عوضاً عن الأبناء.
2-أن كل واحد يموت بذنبه.
3-أن النفس التي تخطيء هي تموت .
4-أن الله يقبل توبة التائبين.
أما النصوص التي حملت هذه القواعد فمنها :-
(لا يقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل ) تثنية 24 : 16 .
(في تلك الأيام لا يقولون بعدُ الآباء أكلوا حصرماً وأسنان الأبناء ضرست ؛ بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ) ارمياء 31 : 29- 3.
(وأنتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب . أما الابن فقد فعل حقاً وعدلاً حفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة ً يحيا . النفس التي تخطيء هي تموت . الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن . برّ البارّ عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون ... فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها وحفظ كل فرائضي وفعل حقاً وعدلاً فحياةً يحيا. لا يموت ، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه في بره) حزقيال 18 : 19-22 .
7-فريضة العشاء الرباني .
حينما يورد كل من متى ومرقس قصة العشاء الرباني لم يشفعا ذلك بأمر المسيح عليه السلام بجعل هذا العمل عبادة مستمرة وطقساً دائماً ، وارجع إلى ذكر هذه القصة في هذين الإنجيلين تجد الأمر كما قلت .
لكن بولس لما أراد أن تأخذ هذه العبادة طابع الاستمرار أضاف إلى تلك القصة الجملة التالية ((اصنعوا هذا لذكري)) الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 11 : 24 .
هذا أصل النصرانية وهذا واقعها ، وهذا الواقع - كما رأيت لا يمت إلى المسيح عليه السلام بصِلَة ، ولا تربطه به إلا رابطة الانتساب الاسمي الذي يفتقد أدنى مقوماته الدينية والتأريخية ...
بل إن كتاب النصرانية المقدس يحمل نصوصاً تُعزى إلى المسيح عليه السلام تعارض وترفض هذه العقائد الأساسية والركائز الهامة التي تقوم عليها الديانة النصرانية...
والإنسان العاقل يأنف من الزيف ، وينفر من الخطأ . وحري بك أن تكون واحداً من أولئك القوم العقلاء الذين هجروا هذا الواقع المرير ، وركبوا كل صعب وذلول بحثاً عن الحق ، وطلباً للدليل ، ورغبة في الوصول إلى الحقيقة .
فأقول : لن أتجاوز كتابك ففيه ما يدلك على الحق ويرشدك إلى الصواب ، ألست تقول في صلاتك : (ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك) متى 6 : 9-10 . ألى الآن تنتظر قائلاً : ((ليأت ملكوتك)) ألم يأت هذا الملكوت ؟ فإن كان الملكوت قد جاء وتحقق فلماذا لا تزال تدعو بهذا الدعاء ؟
قد جاء هذا الملكوت وتحقق بمجيء رسوله الذي بشّر به المسيح عليه السلام فقال : (البارقليط (2) الذي يرسله أبي في آخر الزمان هو يعلمكم كل شيء ) يوحنا :14 : 26 وقال : (ومتى جاء البارقليط الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ) يوحنا 15 : 26 فمن الذي شهد للمسيح بالرسالة ونزهه عما افتراه اليهود عليه سوى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟
وقال المسيح أيضاً : (إن لي أموراً كثيرة لَأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن . وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني ؛ لأنه لا يأخذ مما لي ويخبركم ) يوحنا 16 : 12-14 . فمحمد صلى الله عليه وسلم هو البارقليط الذي أشار إليه المسيح عليه السلام ، وهو الذي أرشد الخلق إلى الحق ؛ لأنه لا يتكلم من نفسه إذ أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
فهلم هلم اتبع البارقليط الذي أرشدك إليه المسيح عليه السلام ، وهذا البارقليط هو الذي بشر به موسى عليه السلام حين قال كما في سفر التثنية 18: 18 : (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيتكلم بكل ما أوصيه ) وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولم يخرج من بني إسماعيل رسول سوى محمد صلى الله عليه وسلم . وهو الذي أخبرنا موسى عليه السلام أنه يخرج من قمم ((فاران)) حيث قال في سفر التثنية 33 : 2 : (جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير وتلألأ من جبل فاران) وفاران هي مكة المكرمة . وأنشد سكان ((سالع)) أنشودة الفرح بمقدمه إليهم كما قال اشعياء 42: 11 : (لتترنم سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) وسالع جبل في المدينة المنورة التي انطلقت منها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم . وهوت تحت قدميه الأصنام (انظر إشعياء 42 : 17 ) ، وعمت رسالته وجه الأرض ، وسعدت به البشرية ، وآمنت به الآلاف المؤلفة من البشر فكن واحداً من هؤلاء تفز بسعادة الدنيا والآخرة . . .
أما كيف تكون من أتباعه ؟
ليتحقق لك ما تحقق لأصحابه ، فالأمر جد يسير ، فما عليك إلا أن تغتسل وتتطهر وتزيل عن جسدك كل أثر غير حميد ، ثم تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، عالماً بمقتضاهما ، عارفاً بمعناهما ، وهو أن تعتقد أن لا معبود بحق سوى الله ، وأن الله هو المتفرد بالألوهية والربوبية ، وأن محمداً رسول الله فتطيعه بما أمر ، وتصدقه فيما أخبر ، وتبتعد عما نهى عنه وزجر .
وأن تشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، فإذا حققت ذلك أصبحت أهلاً لأن تكون من ورثة جنة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
وإن أردت مزيد مصادر ومراجع ترشدك إلى الحق وتهديك إلى الصراط المستقيم فإليك قائمة ببعض الكتب التي ألفها بعض القساوسة النصارى الذين هداهم الله إلى الإسلام فدوّنوا في هذه الكتب خبر انتقالهم من النصرانية إلى الإسلام ، والأسباب التي أدت بهم إلى هجر النصرانية ، والأدلة التي استدلوا بها على أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة الخالدة وهذه الكتب هي :-
1-الدين والدولة ، تأليف علي بن ربِّن الطبري.
2-النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، تأليف نصر بن يحيى المتطبب.
3-محمد في الكتاب المقدس نُشِر باللغتين العربية والإنجليزية من قبل رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر .
4-الإنجيل والصليب وكلاهما من تأليف دافيد بنجامين كلداني الذي أسلم وتسمى بعبد الأحد داود.
5-محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن .
6-الغفران بين الإسلام والمسيحية وكلاهما من تأليف إبراهيم خليل أحمد كان قساً نصرانياً وكان اسمه قبل إسلامه إبراهيم فيلبس.
7-الله واحد أم ثالوث .
8-المسيح إنسان أم إله وكلاهما من تأليف مجدي مرجان .
9-سر إسلامي من تأليف فؤاد الهاشمي .
10-المنارات الساطعة في ظلمات الدنيا الحالكة من تأليف المهتدي محمد زكي الدين النجار.
هذه الكوكبة المباركة التي آثرت الحق على الباطل ، والهدى على الضلال ، أتراك أعلم بدينك منهم ؟
فَلِمَ لم تسأل نفسك عن الأسباب التي أدّت بهم إلى هجر دينهم وإعلانهم الهجرة إلى الإسلام ؟ وما هي الأدلة والبراهين التي وقفوا عليها فقادتهم إلى الهدى والنور .
وأقول لك ليست هذه الجماعة المباركة هي فقط التي هجرت دينها وأعلنت إسلامها ؛ إنما هؤلاء نزر يسير من علماء النصارى الذين أسلموا ذكرتهم لك للاسترشاد والاستشهاد... وغيرهم كثير فها هي القوافل الإيمانية التي نشهدها كل يوم تشد رحالها وتيمم شطر الإسلام معلنة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
حرر في 27/6/1414هـ
الموافق 10/12/1993م
الهوامش :
(1) رغبة أن تؤدي هذه النبذة الثمار المرجوة منها -أؤمل من كل من أراد ترجمتها إلى أي لغة أن يعتمد نقل نصوص التوراة والإنجيل من الطبعة المتداولة في اللغة التي سيترجم إليها .
(2) البارقليط : كلمة يونانية بمعنى أحمد
كتبها د/ محمد بن عبد الله السحيم صب 6249 الرياض 11442 من نشر دار العاصمة الرياض هاتف 4915154 -4933318 فاكس ... 4915154
عند حصول خطأ في نقل هذه النسخة من الأصل يرجى الاتصال بالناسخ على بريد kateb@ayna.com
الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
