الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

من سورة الطارق

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١_١٠
من سورة الطارق
﴿وَٱلسَّمَاۤءِ وَٱلطَّارِقِ (١) وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ (٢) ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ (٣) إِن كُلُّ نَفۡسࣲ لَّمَّا عَلَیۡهَا حَافِظࣱ (٤) فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاۤءࣲ دَافِقࣲ (٦) یَخۡرُجُ مِنۢ بَیۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَاۤىِٕبِ (٧) إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرࣱ (٨) یَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَاۤىِٕرُ (٩) فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةࣲ وَلَا نَاصِرࣲ (١٠)﴾ [الطارق ١-١٠]

تَفْسِيرُ سُورَةِ الطَّارِقِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ.قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ-قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْهُ-حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عبد الرحمن ابن خَالِدِ بْنِ أَبِي جَبل(١) العُدْواني، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مُشرّق ثَقيف وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَوْسٍ-أَوْ: عَصَا-حِينَ أَتَاهُمْ يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ " حَتَّى خَتَمَهَا-قَالَ: فَوَعَيْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ، ثُمَّ قَرَأْتُهَا فِي الْإِسْلَامِ-قَالَ: فَدَعَتْنِي ثَقِيفٌ فَقَالُوا: مَاذَا سَمِعْتَ(٢) مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِصَاحِبِنَا، لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ مَا يَقُولُ حَقًّا لَاتَّبَعْنَاهُ(٣) .وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مسْعَر، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟ مَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَنَحْوَ هَذَا؟ "(٤) .بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *يُقْسِمُ(٥) تَعَالَى بِالسَّمَاءِ وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا سُمِّيَ النَّجْمُ طَارِقًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَى بِاللَّيْلِ وَيَخْتَفِي بِالنَّهَارِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا(٦) أَيْ: يَأْتِيَهُمْ فجأة بالليل. وفي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الدُّعَاءِ: "إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ"(٧) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿الثَّاقِبُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُضِيءُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَثْقُبُ الشَّيَاطِينَ إِذَا أُرْسِلَ عَلَيْهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ مُضِيءٌ وَمُحْرِقٌ لِلشَّيْطَانِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ يَحْرُسُهَا مِنَ الْآفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ١١] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَنْبِيهٌ لِلْإِنْسَانِ عَلَى ضَعْفِ أَصْلِهِ الَّذِي خُلق مِنْهُ، وَإِرْشَادٌ لَهُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْمَعَادِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى البَدَاءة فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ يَعْنِي: الْمَنِيُّ؛ يَخْرُجُ دَفقًا مِنَ الرَّجُلِ وَمِنَ الْمَرْأَةِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ(٨) ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يَعْنِي: صُلْبَ الرَّجُلِ وَتَرَائِبَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ صَدْرُهَا.قَالَ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ، أَصْفَرَ رَقِيقٍ، لَا يَكُونُ الْوَلَدُ إِلَّا مِنْهُمَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ والسُّدِّي، وَغَيْرُهُمْ.وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَر: سَمِعْتُ الْحَكَمَ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ قَالَ: هَذِهِ التَّرَائِبُ. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ.وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَريبة الْمَرْأَةِ موضُع الْقِلَادَةِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: التَّرَائِبُ: بَيْنَ ثَدْيَيْهَا.وَعَنْ مُجَاهِدٍ: التَّرَائِبُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى الصَّدْرِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: التَّرَائِبُ أَسْفَلُ مِنَ التَّرَاقِي. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: فَوْقَ الثَّدْيَيْنِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير: التَّرَائِبُ أَرْبَعَةُ أَضْلَاعٍ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ.وَعَنِ الضَّحَّاكِ: التَّرَائِبُ بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ.وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَعْمَر بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ(٩) الْمَدَنِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ قَالَ: هُوَ عُصَارَةُ الْقَلْبِ، مِنْ هُنَاكَ يَكُونُ الْوَلَدُ.وَعَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ مِنْ بَيْنِ صُلْبِهِ وَنَحْرِهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ:أَحَدُهُمَا: عَلَى رَجْعِ هَذَا الْمَاءِ الدَّافِقِ إِلَى مَقَرِّهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ لَقَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ. قاله مجاهد، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمَا.وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِ هَذَا الْإِنْسَانِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، أَيْ: إِعَادَتُهُ وَبَعْثُهُ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لَقَادِرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَدْءِ قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ.وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، هَذَا الدَّلِيلَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَ بِهِ الضَّحَّاكُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، أَيْ: تَظْهَرُ وَتَبْدُو، وَيَبْقَى السِّرُّ عَلَانِيَةً وَالْمَكْنُونُ مَشْهُورًا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ(١٠) يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ"(١١) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَهُ﴾ أَيِ: الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَيْ: فِي نَفْسِهِ ﴿وَلا نَاصِرٍ﴾ أَيْ: مِنْ خَارِجٍ مِنْهُ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ لَهُ أَحَدٌ ذَلِكَ.

(١) في أ: "جهل".
(٢) في م: "ما سمعت".
(٣) المسند (٤/٣٣٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣٦) : "عبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يخرجه أحد وبقية رجاله ثقات".
(٤) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٦٤) .
(٥) في أ: "أقسم".
(٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٢٤٣) من حديث جابر، رضي الله عنه.
(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٣/٤١٩) من حديث عبد الرحمن بن خنبش، رضي الله عنه.
(٨) في أ: "بإذن الله تعالى".
(٩) في أ: "حبة".
(١٠) في أ: "عند رأسه".
(١١) صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأحد، 3 سبتمبر 2023

من سورة الانشقاق

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٦_٢٥
من سورة الانشقاق 
﴿فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ (١٦) وَٱلَّیۡلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ (١٨) لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقࣲ (١٩) فَمَا لَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا یَسۡجُدُونَ ۩ (٢١) بَلِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُكَذِّبُونَ (٢٢) وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا یُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمٍ (٢٤) إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَیۡرُ مَمۡنُونِۭ (٢٥)﴾ [الانشقاق ١٦-٢٥]

رُوي عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وعُبادة بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي هُرَيرة، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمَكْحُولٍ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، وبُكَيْر(١) بْنِ الْأَشَجِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الماجَشُون أَنَّهُمْ قَالُوا: الشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ.وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ ابْنِ خُثَيم(٢) عَنِ ابْنِ لَبِيبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: الشَّفَقُ: الْبَيَاضُ(٣) .فَالشَّفَقُ هُوَ: حُمْرَةُ الْأُفُقِ إِمَّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ-كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ-وَإِمَّا بَعْدَ غُرُوبِهَا-كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ(٤) عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: الشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا ذَهَبَ قِيلَ: غَابَ الشَّفَقُ.وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّفَقُ: بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وحمرتُها فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ العَتمَة. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ: الشَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ"(٥) .فَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْخَلِيلُ. وَلَكِنْ صَحَّ عن مجاهد أنه قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: الشَّفَقُ: الشَّمْسُ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا قَرْنهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أَيْ: جَمَعَ. كَأَنَّهُ أَقْسَمَ بِالضِّيَاءِ وَالظَّلَامِ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالنَّهَارِ مُدْبِرًا، وَبِاللَّيْلِ مُقْبِلًا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّفَقُ اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ. وَقَالُوا: هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ(٦) .قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ وَمَا جَمَعَ. قَالَ قَتَادَةُ: وَمَا جَمَعَ مِنْ نَجْمٍ وَدَابَّةٍ. وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:(٧)مُستَوسقات لَوْ تَجِدْنَ سَائقا ...قَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ يَقُولُ: مَا سَاقَ مِنْ ظُلْمَةٍ، إِذَا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَأْوَاهُ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا اجْتَمَعَ وَاسْتَوَى. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ.﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ إِذَا اسْتَوَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا اجْتَمَعَ، إِذَا امْتَلَأَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا اسْتَدَارَ.وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ إِذَا تَكَامَلَ نُورُهُ وَأَبْدَرَ، جَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ-قَالَ هَذَا نَبِيِّكُمْ ﷺ.هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ(٨) ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَدَ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَأَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "نَبِيُّكُمْ" مَرْفُوعًا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ مِنْ "قَالَ" وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا قَالَ أَنَسٌ: لَا يَأْتِي عَامٍ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ ﷺ، يَقُولُ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَهَذَا لَفْظُهُ(٩) .وقال علي ابن أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ومُرَة الطّيِّب، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ [وَمَسْرُوقٌ وَأَبُو صَالِحٍ](١٠) .وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ. قَالَ: هَذَا، يَعْنِي الْمُرَادُ بِهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّ "هَذَا" وَ "نَبِيُّكُمْ" يُكَوَّنَانِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ، كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وغُنْدَر: حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قراءةُ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَامَّةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ: "لَتَرْكَبَنّ" بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ.قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: لتركَبن يَا مُحَمَّدُ سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءً. وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءٍ.قُلْتُ: يَعْنُونَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالسُّدِّيُّ(١١) عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مَنْزِلًا عَلَى مَنْزِلٍ. وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ-وَزَادَ: "وَيُقَالُ: أَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ".وَقَالَ السُّدِّيُّ نفسهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أَعْمَالُ مَنْ قَبْلِكُمْ مَنْزِلًا بَعْدَ مَنْزِلٍ.قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحر ضَبِّ لَدَخَلْتُمُوهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ "(١٢) وَهَذَا مُحْتَمَلٌ.وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: فِي كُلِّ عِشْرِينَ سَنَةً، تُحْدِثُونَ أَمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ.وَقَالَ الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ تَنْشَقُّ ثُمَّ تَحْمَرُّ، ثُمَّ تَكُونُ لَوْنًا بَعْدَ لَوْنٍ.وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ مَرةً كَالدِّهَانِ، وَمَرَّةً تَنْشَقُّ.وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي حَالًا بَعْدَ حَالٍ. ثُمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ جَابِرٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عن ابن عباس.وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: قَوَمٌ كَانُوا فِي الدُّنْيَا خَسِيسٌ أَمْرُهُمْ، فَارْتَفَعُوا فِي الْآخِرَةِ، وَآخَرُونَ كَانُوا أَشْرَافًا فِي الدُّنْيَا، فَاتَّضَعُوا فِي الْآخِرَةِ.وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، فَطِيمًا بعد ما كان رضيعًا، وشيخًا بعد ما كَانَ شَابًّا.وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يَقُولُ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ، رَخَاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَشِدَّةً بَعْدَ رَخَاءٍ، وَغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وَفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وَصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وسَقَما بَعْدَ صِحَّةٍ.وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَاهِرٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِر، عَنْ جَابِرٍ-هُوَ الْجُعْفِيُّ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَفِي غَفْلَةٍ مِمَّا خُلِقَ لَهُ؛ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ خَلْقَهُ قَالَ لِلْمَلِكِ: اكْتُبْ رِزْقَهُ، اكْتُبْ أَجَلَهُ، اكْتُبْ أَثَرَهُ، اكْتُبْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا، ثُمَّ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكا آخَرَ فَيَحْفَظُهُ حَتَّى يُدْرِكَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْمَلَكُ، ثُمَّ يُوكِلُ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا حَضَره الموتُ ارْتَفَعَ ذَانِكَ الْمَلَكَانِ، وَجَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَإِذَا دَخَلَ قَبْرَهُ رَدَّ الرُّوحَ فِي جَسَدِهِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَجَاءَهُ مَلَكا الْقَبْرِ فَامْتَحَنَاهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعَانِ، فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ انْحَطَّ عَلَيْهِ مَلَكُ الْحَسَنَاتِ وَمَلَكُ السَّيِّئَاتِ، فَانْتَشَطَا كِتَابًا مَعْقُودًا فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ حَضَرَا مَعَهُ: واحدٌ سَائِقًا وَآخَرُ شَهِيدًا"، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: "حَالًا بَعْدَ حَالٍ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ قُدَّامَكُمْ لَأَمْرًا عَظِيمًا لَا تَقدرُونه، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ"(١٣) .هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ ضُعَفَاءُ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ-سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-أَعْلَمُ.ثُمَّ قَالَ ابن جرير بعد ما حَكَى أَقْوَالَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ: وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَتَرْكَبَنّ أَنْتَ-يَا مُحَمَّدُ-حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ مِنَ الشَّدَائد. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ-وَإِنْ كَانَ الْخَطَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَجَّها(١٤) -جَميعَ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ مِنْ شَدَائِدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ أَحْوَالًا(١٥) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أَيْ: فَمَاذَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ وَمَا لَهُمْ إِذَا قَرَأَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِ الرَّحْمَنِ(١٦) وَكَلَامَهُ-وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ-لَا يَسْجُدُونَ إِعْظَامًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا؟.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: مِنْ سَجِيَّتِهِمُ التَّكْذِيبُ وَالْعِنَادُ وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَقِّ.﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يكتمون في صدورهم.﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ: فَأَخْبِرْهُمْ-يَا مُحَمَّدُ-بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
* * *وَقَوْلُهُ ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، يَعْنِي لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا-أَيْ: بِقُلُوبِهِمْ-وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِجَوَارِحِهِمْ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ.وَحَاصِلُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] . وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَنْقُوصٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عَلَيْهِمْ.وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ قَدْ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ حَالٍ وَآنٍ وَلَحْظَةٍ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَلَهُ عَلَيْهِمُ الْمِنَّةُ دَائِمًا سَرْمَدًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَبَدًا؛ وَلِهَذَا يُلْهَمُونَ تَسْبِيحَهُ وَتَحْمِيدَهُ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَس: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] .آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الِانْشِقَاقِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

(١) في أ: "وبكر".
(٢) في أ: "خيثم".
(٣) تفسير عبد الرزاق (٢/٢٩٢) .
(٤) في م: "كما هو المعروف".
(٥) صحيح مسلم برقم (٦١٢) .
(٦) تفسير الطبري (٣٠/٧٦) .
(٧) البيت في تفسير الطبري (٣٠/٧٦) وقد ذكره المبرد في الكامل: إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا
وهو منسوب لابن صرمة.
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٩٤٠) .
(٩) تفسير الطبري (٣٠/٧٨) .
(١٠) زيادة من م.
(١١) في م: "عن السدي".
(١٢) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣٤ من سورة التوبة.
(١٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/٦٠٠) لابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية.
(١٤) في م: "متوجها".
(١٥) تفسير الطبري (٣٠/٨٠) .
(١٦) في أ: "آيات الله".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الجمعة، 1 سبتمبر 2023

من سورة الأعراف

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٣٠_١٣١
من سورة الأعراف 
﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَاۤ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِینَ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَیِّئَةࣱ یَطَّیَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥۤۗ أَلَاۤ إِنَّمَا طَـٰۤىِٕرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ (١٣١)﴾ [الأعراف ١٣٠-١٣١]

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُمْ وَامْتَحَنَّاهُمْ وَابْتَلَيْنَاهُمْ ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وَهِيَ سِنِي الْجُوعِ بِسَبَبِ قِلَّةِ الزُّرُوعِ(١) ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ.وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوة: كَانَتِ النَّخْلَةُ لا تحمل إلا ثمرة واحدة.﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أَيْ: مِنَ الْخِصْبِ وَالرِّزْقِ ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أَيْ: هَذَا لَنَا بِمَا نَسْتَحِقُّهُ:، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أَيْ: جَدْبٌ وَقَحْطٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أَيْ: هذا بسببهم وما جاؤوا بِهِ.﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَصَائِبُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: إِلَّا مِنْ قِبَل اللَّهِ.

(١) في د، ك، م: "الزرع".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الأربعاء، 30 أغسطس 2023

من سورة المطففين

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٨_٢٨
من سورة المطففين 
﴿كَلَّاۤ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِی عِلِّیِّینَ (١٨) وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّیُّونَ (١٩) كِتَـٰبࣱ مَّرۡقُومࣱ (٢٠) یَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِی نَعِیمٍ (٢٢) عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِ یَنظُرُونَ (٢٣) تَعۡرِفُ فِی وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِیمِ (٢٤) یُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِیقࣲ مَّخۡتُومٍ (٢٥) خِتَـٰمُهُۥ مِسۡكࣱۚ وَفِی ذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَـٰفِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِیمٍ (٢٧) عَیۡنࣰا یَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين ١٨-٢٨]

يَقُولُ تَعَالَى: حَقًّا ﴿إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ﴾ وَهُمْ بِخِلَافِ الْفُجَّارِ، ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أَيْ: مَصِيرُهُمْ إِلَى عِلِّيِّينَ، وَهُوَ بِخِلَافِ سِجِّينٍ.قَالَ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَمر بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَاف قَالَ: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا وَأَنَا حَاضِرٌ عَنْ سِجِّينٍ، قَالَ: هِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ، وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ. وَسَأَلَهُ عَنْ عِلّيين فَقَالَ: هِيَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ، وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهَا السَّمَاءُ السَّابِعَةُ.وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يَعْنِي: الْجَنَّةَ.وَفِي رِوَايَةِ العَوفي، عَنْهُ: أَعْمَالُهُمْ فِي السَّمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ.وَقَالَ قَتَادَةُ: عِلِّيُّونَ: سَاقُ الْعَرْشِ الْيُمْنَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: عِلِّيُّونَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.وَالظَّاهِرُ: أَنَّ عِلِّيِّينَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُلُوِّ، وَكُلَّمَا عَلَا الشَّيْءُ وَارْتَفَعَ عَظُمَ وَاتَّسَعَ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُعَظِّمًا أَمْرَهُ وَمُفَخِّمًا شَأْنَهُ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون﴾ ثُمَّ قَالَ مُؤَكِّدًا لِمَا كَتَبَ لَهُمْ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، قَالَهُ قَتَادَةُ.وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَشْهَدُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا.ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وَجَنَّاتٍ فِيهَا فَضْلٌ عَمِيمٌ، ﴿عَلَى الأرَائِكِ﴾ وَهِيَ: السُّرُرُ تَحْتَ الحِجَال، ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: يَنْظُرُونَ فِي مُلكهم وَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ الَّذِي لَا يَنْقَضِي وَلَا يَبِيدُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا مُقَابَلَةٌ(١) لِمَا وُصف بِهِ أُولَئِكَ الْفُجَّارُ: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَذَكَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُبَاحُونَ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمْ عَلَى سُرُرِهِمْ وَفُرُشِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ"(٢) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: تَعْرِفُ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِمْ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، أَيْ: صِفَةَ التَّرَافَةِ وَالْحِشْمَةِ وَالسُّرُورِ والدِّعة وَالرِّيَاسَةِ؛ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْعَظِيمِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ أَيْ: يُسْقَوْنَ مِنْ خَمْرٍ مِنَ الْجَنَّةِ. وَالرَّحِيقُ: مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ.قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سَعْدٍ(٣) أَبِي الْمُجَاهِدِ الطَّائِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ-أَرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ-قَالَ: "أَيُّمَا مؤمن سقى مُؤْمِنًا شَرْبَةً(٤) عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ. وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ. وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا ثَوْبًا عَلَى عُري، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضر الْجَنَّةِ"(٥) .وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أَيْ: خَلْطُهُ مِسْكٌ.وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طَيَّبَ اللَّهُ لَهُمُ الْخَمْرَ، فَكَانَ آخِرُ شَيْءٍ جُعِلَ فِيهَا مِسْكٌ، خُتِم بِمِسْكٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ.وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أَيْ: عَاقِبَتُهُ مِسْكٌ.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قَالَ: شَرَابٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الْفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ شَرَابَهُمْ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إِلَّا وَجَدَ طِيبَهَا(٦) .وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قَالَ: طِيبُهُ مِسْكٌ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أَيْ: وَفِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ فَلْيَتَفَاخَرِ المتفاخرون، وليتباهى وَيُكَاثِرْ(٧) وَيَسْتَبِقْ إِلَى مِثْلِهِ الْمُسْتَبِقُونَ. كَقَوْلِهِ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٦١] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أَيْ: وَمِزَاجُ هَذَا الرَّحِيقِ الْمَوْصُوفِ مِنْ تَسْنِيمٍ، أَيْ: مِنْ شَرَابٍ يُقَالُ لَهُ تَسْنِيمٌ، وَهُوَ أَشْرَفُ شَرَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهُ. قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وَالضَّحَّاكُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أَيْ: يَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وتُمزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزجًا. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.

(١) في أ: "مقابل".
(٢) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآيتين: ٢٢،٢٣ من سورة القيامة.
(٣) في أ: "عن سعيد".
(٤) في م: "شربة ماء".
(٥) المسند (٣/١٣) وعطية العوفي ضعيف.
(٦) تفسير الطبري (٣٠/٦٨) .
(٧) في م، أ: "ويتكاثر".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

من سورة المطففين

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ٧_١٧
من سورة المطففين 
﴿كَلَّاۤ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِی سِجِّینࣲ (٧) وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّینࣱ (٨) كِتَـٰبࣱ مَّرۡقُومࣱ (٩) وَیۡلࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ (١٠) ٱلَّذِینَ یُكَذِّبُونَ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ (١١) وَمَا یُكَذِّبُ بِهِۦۤ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِیمٍ (١٢) إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِ ءَایَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ (١٣) كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ (١٤) كَلَّاۤ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ لَّمَحۡجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُوا۟ ٱلۡجَحِیمِ (١٦) ثُمَّ یُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِی كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين ٧-١٧]

يَقُولُ: حَقًّا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أَيْ: إِنَّ مَصِيرَهُمْ وَمَأْوَاهُمْ لَفِي سِجِّينٍ-فِعِيلٍ مِنَ السَّجن، وَهُوَ الضِّيِقُ-كَمَا يُقَالُ: فِسِّيقٌ وَشِرِّيبٌ وَخِمِّيرٌ وَسِكِّيرٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا عَظُمَ أَمْرُهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ؟ أَيْ: هُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَسِجْنٌ مُقِيمٌ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ.ثُمَّ قَدْ قَالَ قَائِلُونَ: هِيَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي رُوحِ الْكَافِرِ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ.وَسَجِّينٌ: هِيَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَقِيلَ: صَخْرَةٌ تَحْتَ السَّابِعَةِ خَضْرَاءُ. وَقِيلَ: بِئْرٌ فِي جَهَنَّمَ.وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا غَرِيبًا مُنْكَرًا لَا يَصِحُّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مسعود بن موسى بن مُشكان الواسطي، حدثنا نَصر بْنُ خُزَيمة الْوَاسِطِيُّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْفَلَقُ: جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ(١) مُغَطَّى، وَأَمَّا سِجِّينٌ فَمَفْتُوحٌ"(٢) .وَالصَّحِيحُ أَنْ "سِجِّينًا" مَأْخُوذٌ مِنَ السَّجن، وَهُوَ الضِّيقُ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كُلُّ مَا تَسَافَلَ مِنْهَا ضَاقَ، وَكُلُّ مَا تَعَالَى مِنْهَا اتَّسَعَ، فَإِنَّ الْأَفْلَاكَ السَّبْعَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْسَعُ وَأَعْلَى مِنَ الَّذِي دُونَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَوْسَعُ مِنَ الَّتِي دُونَهَا، حَتَّى يَنْتَهِيَ السُّفُولُ الْمُطْلَقُ وَالْمَحَلُّ الْأَضْيَقُ إِلَى الْمَرْكَزِ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَلَمَّا كَانَ مَصِيرُ الْفُجَّارِ إِلَى جَهَنَّمَ وَهِيَ أَسْفَلُ السَّافِلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التِّينِ] : ٥، ٦] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وَهُوَ يَجْمَعُ الضِّيقَ والسفول، كما قال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٣] .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ(٣) لِمَا كُتِبَ لَهُمْ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى سِجِّينٍ، أَيْ: مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لَا يُزَادُ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ أَحَدٌ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ.ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: إِذَا صَارُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ السَّجن وَالْعَذَابِ الْمُهِينِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ﴾ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ(٤) الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ، كَمَا يُقَالُ: وَيْلٌ لِفُلَانٍ. وَكَمَا جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ بَهْز بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيَدة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّث فَيَكْذِبُ، ليضحِكَ النَّاسَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ"(٥) .ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُفَسِّرًا لِلْمُكَذِّبِينَ الْفُجَّارِ الْكَفَرَةِ: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أَيْ: لَا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وَلَا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ، وَيَسْتَبْعِدُونَ أَمْرَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أَيْ: مُعْتَدٍ فِي أَفْعَالِهِ؛ مِنْ تَعَاطِي الْحَرَامِ وَالْمُجَاوَزَةِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ وَالْأَثِيمِ(٦) فِي أَقْوَالِهِ: إِنْ حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِنْ وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِنْ خَاصَمَ فَجَرَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنَ الرَّسُولِ، يُكَذِّبُ بِهِ، وَيَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُفْتَعَلٌ مَجْمُوعٌ مِنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٤] ، وَقَالَ: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا وَلَا كَمَا قَالُوا، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، بَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِنَّمَا حَجَبَ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الرَّيْن الَّذِي قَدْ لَبِسَ قُلُوبَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَالرَّيْنُ يَعْتَرِي قلوبَ الْكَافِرِينَ، وَالْغَيْمُ لِلْأَبْرَارِ، وَالْغَيْنُ لِلْمُقَرَّبِينَ.وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(٧) .وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِت فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِل قَلْبُهُ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَهُوَ الرَّانُ الَّذِي قال الله: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾وَقَالَ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَجْلان، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِل قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "(٨) .وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ:هُوَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ، حَتَّى يَعْمَى الْقَلْبُ، فَيَمُوتُ. وَكَذَا قال مجاهد ابن جَبْرٍ وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أَيْ: لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنزلٌ وَنُزُلٌ سِجِّينٌ، ثُمَّ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ(٩) ذَلِكَ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ.قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ: [فِي](١٠) هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَئِذٍ(١١) .وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَنْطُوقُ قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢٢، ٢٣] . وَكَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ(١٢) الْمُتَوَاتِرَةُ فِي رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، رُؤْيَةٌ بِالْأَبْصَارِ فِي عَرَصات الْقِيَامَةِ، وَفِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ الْفَاخِرَةِ.وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الرَّازِيُّ](١٣) : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ المنْقَريّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ابن سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قَالَ: يُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ، ثُمَّ يُحْجَبُ عَنْهُ الْكَافِرُونَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ. كُلّ يَوْمٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً-أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا الْحِرْمَانِ عَنْ رُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ النِّيرَانِ، ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّصْغِيرِ وَالتَّحْقِيرِ.

(١) في م: "في وادي جهنم".
(٢) تفسير الطبري (٣٠/٦١) .
(٣) في م: "تقرير".
(٤) في أ: "ذلك أنه".
(٥) المسند (٥/٥،٧) وسنن أبي داود برقم (٤٩٩٠) وسنن الترمذي برقم (٢٣١٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٥٥) .
(٦) في أ: "والإثم".
(٧) تفسير الطبري (٣٠/٦٢) وسنن الترمذي برقم (٣٣٣٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٥٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٤٤) .
(٨) المسند (٢/٢٩٧) .
(٩) في م: "بعد".
(١٠) زيادة من م، أ.
(١١) رواه البيهقي في مناقب الشافعي (١/٤١٩) .
(١٢) في م: "الصحيحة".
(١٣) زيادة من م، أ.

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الاثنين، 28 أغسطس 2023

من سورة الانفطار

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١٣_١٩
من سورة الانفطار 
﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِی نَعِیمࣲ (١٣) وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِی جَحِیمࣲ (١٤) یَصۡلَوۡنَهَا یَوۡمَ ٱلدِّینِ (١٥) وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَاۤىِٕبِینَ (١٦) وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا یَوۡمُ ٱلدِّینِ (١٧) ثُمَّ مَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا یَوۡمُ ٱلدِّینِ (١٨) یَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسࣱ لِّنَفۡسࣲ شَیۡـࣰٔاۖ وَٱلۡأَمۡرُ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار ١٣-١٩]

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا يَصِيرُ الْأَبْرَارُ إِلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُقَابِلُوهُ بِالْمَعَاصِي.وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ "مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ"، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْأَبْرَارَ لِأَنَّهُمْ بَروا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ"(١) .ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْفُجَّارُ مِنَ الْجَحِيمِ وَالْعَذَابِ الْمُقِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْقِيَامَةِ، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أَيْ: لَا يَغِيبُونَ عَنِ الْعَذَابِ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا، وَلَا يُجَابُونَ إِلَى مَا يَسْأَلُونَ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الرَّاحَةِ، وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أَيْ:لَا يَقْدِرُ وَاحِدٌ(٢) عَلَى نَفْعِ أَحَدٍ وَلَا خَلَاصِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى.وَنَذْكُرُ هَاهُنَا حَدِيثَ: "يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا". وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الشُّعَرَاءِ"؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ١٦] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] .قَالَ قَتَادَةُ:} يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وَالْأَمْرُ-وَاللَّهِ-الْيَوْمَ لِلَّهِ، وَلَكِنَّهُ يَوْمَئِذٍ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ.آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "الانفطار" ولله الحمد.

(١) تاريخ دمشق (١٧/٤٠٠ "المخطوط") .
(٢) في أ: "أحد".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))

الجمعة، 25 أغسطس 2023

من سورة التكوير

صدقة جارية 
تفسير اية رقم ١_١٤
من سورة التكوير 
﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ (١) وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ (٢) وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُیِّرَتۡ (٣) وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ (٤) وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ (٥) وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ (٦) وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ (٧) وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُىِٕلَتۡ (٨) بِأَیِّ ذَنۢبࣲ قُتِلَتۡ (٩) وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ (١٠) وَإِذَا ٱلسَّمَاۤءُ كُشِطَتۡ (١١) وَإِذَا ٱلۡجَحِیمُ سُعِّرَتۡ (١٢) وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ (١٣) عَلِمَتۡ نَفۡسࣱ مَّاۤ أَحۡضَرَتۡ (١٤)﴾ [التكوير ١-١٤]

تَفْسِيرُ سُورَةِ التَّكْوِيرِوَهِيَ مَكِّيَّةٌ.قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ الْقَاصُّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ الصَّنْعَانِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رأيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ "، وَ " وإذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ "، وَ " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ".وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ(١) .بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يَعْنِي: أَظْلَمَتْ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ: ذَهَبَتْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اضمحَلّت وذَهَبت. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ.وَقَالَ قَتَادَةُ: ذَهَبَ ضَوْءُهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿كُوِّرَتْ﴾ غُوّرت.وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم: ﴿كُوِّرَتْ﴾ يَعْنِي: رُمِيَ بِهَا.وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿كُوِّرَتْ﴾ أُلْقِيَتْ. وَعَنْهُ أَيْضًا: نُكِّسَتْ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَقَعُ فِي الْأَرْضِ.قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّكْوِيرَ جَمعُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إِلَى(٢) بَعْضٍ، وَمِنْهُ تَكْوِيرُ الْعِمَامَةِ [وَهُوَ لَفُّهَا عَلَى الرَّأْسِ، وَكَتَكْوِيرِ الْكَارِهِ، وَهِيَ](٣) جَمْعُ الثِّيَابِ بَعْضُهَا إِلَى(٤) بَعْضٍ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُوَّرَتْ﴾ جَمْعُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لُفَّتْ فَرَمَى بِهَا، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها(٥) .وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَجِيلة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قَالَ: يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْبَحْرِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا دَبُّورًا فَتُضْرِمُهَا نَارًا. وَكَذَا قَالَ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قَالَ: "كُوِّرَتْ فِي جَهَنَّمَ"(٦) .وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّان، حَدَّثَنَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ(٧) عَقِيرَانِ فِي النَّارِ"(٨) .هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ ضَعِيفٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ:حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الداناجُ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(٩) .انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ "بِدْءِ الْخَلْقِ"، وَكَانَ جَدِيرًا أَنْ يَذْكُرَهُ هَاهُنَا أَوْ يُكَرِّرَهُ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي أَمْثَالِهِ! وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فَجَوّد إِيرَادَهُ فَقَالَ:حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ-مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَحدّث قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ نُورَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: أَحْسَبُهُ قَالَ: وَمَا ذَنْبُهُمَا.ثُمَّ قَالَ: لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيرة إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يَرْوِ عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أَيِ: انْتَثَرَتْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٢] ، وَأَصْلُ الِانْكِدَارِ: الِانْصِبَابُ.قَالَ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سِتُّ آيَاتٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَيْنَا النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ إِذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَمَا هم كذلك إذ وَقَعَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ وَاخْتَلَطَتْ، فَفَزِعَتِ الْجِنُّ إِلَى الْإِنْسِ وَالْإِنْسُ إِلَى الْجِنِّ، وَاخْتَلَطَتِ الدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ، فَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: اخْتَلَطَتْ، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قَالَ: أَهْمَلَهَا أَهْلُهَا، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قَالَ: قَالَتِ الْجِنُّ: نَحْنُ نَأْتِيكُمْ بِالْخَبَرِ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا هُوَ نَارٌ تَأَجَّجُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَإِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَأَمَاتَتْهُمْ.رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ(١٠) -وَهَذَا لَفْظُهُ-وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، بِبَعْضِهِ، وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(١١) ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ي: تَنَاثَرَتْ.وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أَيْ: تَغَيَّرَتْ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ قَالَ: "انْكَدَرَتْ فِي جَهَنَّمَ، وَكُلُّ مَنْ عَبَدَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ فِي جَهَنَّمَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَلَوْ رَضِيَا أَنْ يُعبَدا لَدَخَلَاهَا". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أَيْ: زَالَتْ عَنْ أَمَاكِنِهَا ونُسِفت، فَتَرَكَتِ الْأَرْضَ قَاعًا صَفْصَفًا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ: عِشَارُ الْإِبِلِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عُطِّلَت﴾ تُرِكَتْ وسُيّبت.وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكُ: أَهْمَلَهَا أَهْلُهَا: وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(١٢) لَمْ تَحْلِبْ وَلَمْ تُصَرّ، تَخَلَّى مِنْهَا أَرْبَابُهَا.وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تُرِكَتْ لَا رَاعِيَ لَهَا.وَالْمَعْنَى فِي هَذَا كُلِّهِ مُتَقَارِبٌ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعِشَارَ مِنَ الْإِبِلِ-وَهِيَ: خِيَارُهَا وَالْحَوَامِلُ مِنْهَا الَّتِي قَدْ وَصَلت فِي حَمْلِهَا إِلَى الشَّهْرِ الْعَاشِرِ-وَاحِدُهَا(١٣) عُشَراء، وَلَا يَزَالُ ذَلِكَ اسْمُهَا حَتَّى تَضَعَ-قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهَا وَعَنْ كَفَالَتِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، بَعْدَ مَا كَانُوا أَرْغَبَ شَيْءٍ فِيهَا، بِمَا دَهَمهم مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ المُفظع الْهَائِلِ، وَهُوَ أَمْرُ الْقِيَامَةِ وَانْعِقَادُ أَسْبَابِهَا، وَوُقُوعِ مُقَدِّمَاتِهَا.وَقِيلَ: بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَرَاهَا أَصْحَابُهَا كَذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهَا. وَقَدْ قِيلَ فِي الْعِشَارِ: إِنَّهَا السَّحَابُ يُعطَّل عَنِ الْمَسِيرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لِخَرَابِ الدُّنْيَا. وَ [قَدْ](١٤) قِيلَ: إِنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي تُعشَّر. وَقِيلَ: إِنَّهَا الدِّيَارُ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ تُعَطَّل لِذَهَابِ أَهْلِهَا. حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِهِ "التَّذْكِرَةُ"، وَرَجَّحَ أَنَّهَا الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس(١٥) .قُلْتُ: بَلْ لَا يُعْرَفُ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ سِوَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَيْ: جُمِعَتْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الذُّبَابُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(١٦) وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ هَذِهِ الْخَلَائِقَ [مُوَافِيَةً](١٧) فَيَقْضِي اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ.وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَشْرُهَا: مَوْتُهَا.وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، أَخْبَرَنَا حُصَين، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: حَشرُ الْبَهَائِمِ: مَوْتُهَا، وَحَشْرُ كُلِّ شَيْءٍ الْمَوْتُ غَيْرُهُ(١٨) الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، فَإِنَّهُمَا يُوقَفَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيم(١٩) : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: أَتَى عَلَيْهَا أَمْرُ اللَّهِ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبِي: فَذَكَرْتُهُ لِعِكْرِمَةَ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَشْرُهَا: مَوْتُهَا.وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ اخْتَلَطَتْ.قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأُولَى قَولُ مَنْ قَالَ: ﴿حُشِرَت﴾ جُمعت، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] ، أَيْ: مَجْمُوعَةً.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ: أَيْنَ جَهَنَّمُ؟ قَالَ: الْبَحْرُ. فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا صَادِقًا. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطَّوْرِ: ٦] ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [مُخَفَّفَةٌ](٢٠)(٢١) .وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهَا الدَّبُّورِ فَتُسَعِّرُهَا، وَتَصِيرُ نَارًا تَأَجَّجُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ النَّفَّاطُ-شيخٌ صَالِح يُشبهُ مالكَ بْنَ أَنَسٍ-عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْبَحْرَ بَرَكَةٌ-يَعْنِي بَحْرَ الرُّوم-وَسَطَ الْأَرْضِ، وَالْأَنْهَارُ كُلُّهَا تَصُبُّ فِيهِ، وَالْبَحْرُ الْكَبِيرُ يَصُبُّ فِيهِ، وَأَسْفَلُهُ آبَارٌ مُطَبَّقَةٌ بِالنُّحَاسِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أسجر.وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: "لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ "فَاطِرٍ"(٢٢) .وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ: ﴿سُجِّرَت﴾ أُوقِدَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَبِسَتْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: غَاضَ مَاؤُهَا فَذَهَبَ وَلَمْ يُبْقِ فِيهَا قَطْرَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فُجِّرَتْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فُتِحَتْ وَسُيِّرَتْ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(٢٣) ﴿سُجِّرَتْ﴾ فَاضَتْ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أَيْ: جُمِعَ كُلُّ شَكْلٍ إِلَى نَظِيرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] .وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سمَاك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ: الضُّرَبَاءُ، كُلُّ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ"، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧ -١٠] ، قَالَ: هُمُ الضُّرَبَاءُ(٢٤) .ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنْ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ عُمَر خَطَبَ النَّاسَ فَقَرَأَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فَقَالَ: تَزَوّجها: أَنْ تُؤَلَّفَ(٢٥) كُلُّ شِيعَةٍ إِلَى شِيعَتِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: هُمَا الرَّجُلَانِ يَعْمَلَانِ الْعَمَلَ فَيَدْخُلَانِ بِهِ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ(٢٦) .وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النُّعْمَانِ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فَقَالَ: يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَيُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ السُّوءِ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الْأَنْفُسِ.وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النُّعْمَانِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَا تَقُولُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ؟ فَسَكَتُوا. قَالَ: وَلَكِنْ هُوَ الرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ: ذَلِكَ حِينَ يَكُونُ النَّاسُ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً.وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ: الأمثال من الناس جمع بَيْنَهُمْ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(٢٧) وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.قَوْلٌ آخَرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ [بْنِ سَوَّارٍ](٢٨) ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَسِيلُ وَادٍ مَنْ أَصْلِ الْعَرْشِ مِنْ مَاءٍ فِيمَا بَيْنَ الصَّيْحَتَيْنِ، وَمِقْدَارُ مَا بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ عَامًا، فَيَنْبُتُ مِنْهُ كُلُّ خَلْقٍ بَلِيَ، مِنَ الْإِنْسَانِ أَوْ طَيْرٍ أَوْ دَابَّةٍ، وَلَوْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مَارٌّ قَدْ عَرَفَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَعَرَفَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ. قَدْ نَبَتُوا، ثُمَّ تُرسَل الْأَرْوَاحُ فَتَزَوَّجُ الْأَجْسَادُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى(٢٩) : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أَيْ: زُوِّجَتْ بِالْأَبْدَانِ. وَقِيلَ: زُوِّجَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَزُوِّجَ الْكَافِرُونَ بِالشَّيَاطِينِ. حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي "التَّذْكِرَةِ"(٣٠) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ هَكَذَا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: ﴿سُئلَت﴾ وَالْمَوْءُودَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدُسُّونَهَا فِي التُّرَابِ كَرَاهِيَةَ الْبَنَاتِ، فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تُسْأَلُ الْمَوْءُودَةُ عَلَى أَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لِقَاتِلِهَا، فَإِذَا(٣١) سُئِلَ الْمَظْلُومُ فَمَا ظَنُّ الظَّالِمِ إِذًا؟!وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ أَيْ: سَأَلَتْ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الضُّحَى: "سَأَلَتْ" أَيْ: طَالَبَتْ بِدَمِهَا. وَعَنِ السُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ، مِثْلُهُ(٣٢) .وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْءُودَةِ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ-وَهُوَ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ-عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامة بَنْتِ وَهْبٍ-أُخْتِ عُكَّاشَةَ-قَالَتْ حضرتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغيلَة، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا". ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ، وَهُوَ الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ".وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ-وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ(٣٣) وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ(٣٤) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، بِهِ(٣٥) .وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفي قَالَ: انطلقتُ أَنَا وَأَخِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنَا مُلَيْكَةَ كَانَتْ تَصل الرَّحِمَ وَتُقِرِّي الضَّيْفَ، وَتَفْعَلُ [وَتَفْعَلُ](٣٦) هَلَكَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعُهَا شَيْئًا؟ قَالَ: "لَا". قُلْنَا: فَإِنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهَلْ ذَلِكَ نافعُها شَيْئًا؟ قَالَ: "الوائدةُ والموءودةُ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنْ يدركَ الوائدةَ الإسلامُ، فَيَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهَا".وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ(٣٧) .وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ(٣٨) ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ"(٣٩) .وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَتْنِي حَسْنَاءُ(٤٠) ابْنَةُ مُعَاوِيَةَ الصُّرَيمية، عَنْ عَمِّهَا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالْمَوْءُودَةُ فِي الْجَنَّةِ"(٤١) .وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "الْمَوْءُودَةُ فِي الْجَنَّةِ".هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ.وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ فَقَدْ كَذَبَ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ(٤٢) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْمَدْفُونَةُ.وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سمَاك بْنُ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [بأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ﴾(٤٣) ، قَالَ: جَاءَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَأَدْتُ بَنَاتٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: "أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَقَبَةً". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَاحِبُ إِبِلٍ؟ قَالَ: "فَانْحَرْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَدَنَةً".قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: خُولِفَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَلَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْهُ(٤٤) .وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ(٤٥) -فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ-قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَأَدْتُ ثَمَانِ بَنَاتٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ". وَقَالَ فِي آخِرِهِ: "فَأَهْدِ إِنْ شِئْتَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ(٤٦) بَدَنَةً". ثُمَّ قَالَ:حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَين قَالَ: قَدِمَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وأدتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ابْنَةً لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ-أَوْ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ-قَالَ(٤٧) :" أَعْتِقْ عَدَدَهُنَّ نَسِما". قَالَ: فَأَعْتَقَ عَدَدَهُنَّ نَسَمًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ جَاءَ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ صَدَقَةُ قُومِي عَلَى أَثَرِ مَا صَنَعْتُ بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فَكُنَّا نُرِيحُهَا، وَنُسَمِّيهَا الْقَيْسِيَّةُ(٤٨) .
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: أُعْطِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: [صَحِيفَتُكَ](٤٩) يَا ابْنَ آدَمَ، تُملى فِيهَا، ثُمَّ تُطْوَى، ثُمَّ تُنْشَرُ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَنْظُرْ(٥٠) رَجُلٌ مَاذَا يُمْلِي فِي صَحِيفَتِهِ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اجْتُذِبَتْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كُشِفَتْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَنْكَشِطُ فَتَذْهَبُ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: أُحْمِيَتْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُوقَدَتْ. قَالَ: وَإِنَّمَا يُسَعِّرُهَا غَضَبُ اللَّهِ وَخَطَايَا بَنِي آدَمَ.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم(٥١) أَيْ: قَرُبَتْ إِلَى أَهْلِهَا.
* * *وَقَوْلُهُ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ، أَيْ: إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ حِينَئِذٍ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَأُحْضِرَ ذَلِكَ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٣] .قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرّف، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قَالَ عُمَرُ: لَمَّا بَلَغَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ قال: لهذا أجرىَ الحديثُ.

(١) المسند (٢/٢٧) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٣٣) ، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٢) في م: "على".
(٣) زيادة من تفسير الطبري.
(٤) في م: "على".
(٥) تفسير الطبري (٣٠/٤١) .
(٦) ورواه الديلمي في مسنده، كما في الدر المنثور للسيوطي (٨/٤٢٦) .
(٧) في م، أ، هـ: "نوران"، والصواب بالثاء.
(٨) مسند أبي يعلى (٧/١٤٨) ، ورواه ابن حبان في المجروحين (١/٢٩٣) من طريق درست بن زياد به، وقال في درست بن زياد: "كان منكر الحديث جدا، لا يحل الاحتجاج بخبره. وروى عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فذكر هذا الحديث".
(٩) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٠) .
(١٠) تفسير الطبري (٣٠/٤١) .
(١١) في أ: "خيثم".
(١٢) في أ: "خيثم".
(١٣) في م: "واحدتها".
(١٤) زيادة من م.
(١٥) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٢١٢،٢١٣) .
(١٦) في أ: "خيثم".
(١٧) زيادة من م، أ.
(١٨) في م: "غير".
(١٩) في أ: "خيثم".
(٢٠) زيادة من تفسير الطبري.
(٢١) تفسير الطبري (٣٠/٤٣) .
(٢٢) لم يتقدم الكلام على الحديث في سورة "فاطر"، وهو في سنن أبي داود برقم (٢٤٨٩) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(٢٣) في أ: "خيثم".
(٢٤) ورواه ابن مردويه في تفسيره، كما في الدر المنثور (٨/٤٢٩) .
(٢٥) في أ: "أن يؤلف الله".
(٢٦) ورواه أبو بكر بن حمدان كما في مسند عمر (٢/٦٢٠) للمؤلف من طريق خلف بن الوليد، عن إسرائيل عن سماك بنحوه، ورواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ (٢/٢٨٤،٢٨٥) ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سماك، عن النعمان، وعن إسرائيل، عن سماك، عن النعمان، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٥) من طريق سفيان عن سماك، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(٢٧) في أ: "خيثم".
(٢٨) زيادة من م.
(٢٩) في م، أ: "قول الله عز وجل".
(٣٠) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٢١٣) .
(٣١) في م: "فإنه إذا".
(٣٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠/٤٥) ، والبحر المحيط لأبي حيان (٨/٤٣٣) .
(٣٣) المسند (٦/٤٣٤) ، وصحيح مسلم برقم (١٤٤٢) .
(٣٤) سنن ابن ماجة برقم (٢٠١١)
(٣٥) صحيح مسلم برقم (١٤٤٢) ، وسنن أبي داود برقم (٣٨٨٢) وسنن الترمذي برقم (٢٠٧٧) وسنن النسائي (٦/١٠٦)
(٣٦) زيادة من م، أوالمسند.
(٣٧) المسند (٣/٤٧٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٩) .
(٣٨) في أ: "التبريذي".
(٣٩) ورواه أبو داود في السنن برقم (٤٧١٧) من طريق أبي إسحاق، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود به، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/١١٤) من طريق أبي إسحاق، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، به.
(٤٠) في م، أ: "خنساء".
(٤١) المسند (٥/٥٨) .
(٤٢) في م: "الله تعالى".
(٤٣) زيادة من أ.
(٤٤) مسند البزار برقم (٢٢٨٠) "كشف الأستار".
(٤٥) في م، أ: "الطبراني".
(٤٦) في م: "واحدة منهن".
(٤٧) في م: "فقال".
(٤٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٣٣٨) من طريق يحيى الحماني، عن قيس بن الربيع به نحوه، والحماني ضعيف لكنه توبع هنا.
(٤٩) زيادة من تفسير الطبري (٣٠/٤٦) . مستفادا من هامش ط. الشعب.
(٥٠) في م: "فينظر".
(٥١) في أ: "خيثم".

(تفسير ابن كثير — ابن كثير (٧٧٤ هـ))